انه يتقاسم مع الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي آلام الفجيعة فذاك يبكي ابنه وهذا يبكي بحره فيحدثك وكأن الامس هو اليوم تحار ماذا تكتب فكلامه مغموس بماء وملح وسنوات صارعها ليكون الاقوى لم يكن غيصا ولكنه سمع عن اجداده فعاصرهم الهم هو صياد هذا قدره رزقه تحت الماء فكشف الله بصيرته فاخترق الموج فاسموه سبع البحار انه مطر ماجد الشاعر السويدي ابن الشارقة امارة الخير والمولود في جزيرة ابو موسى التي يتذكرها بألم وحرقة بعد أن اودع فيها أعز انسان، الوالدة التي توفيت هناك.
ولكنه مصر انها في ارضها وسيعود اليها ولو بعد حين يحدثك عن التعاون بين الناس وحبهم لبعضهم بعضا عن افراحهم، وكيف كانوا يساعدون انفسهم وحسب أمكانياتهم رغم الشح وكيف تزوج بمهر لا يتعدى الثلاثة الاف روبية وعلى دفعتين وكيف عمل موظفا براتب 450 روبية في العام 1971 وكيف انتقل من الشارقة الى ام القيوين ولكن تبقى الامارات البيت الكبير الذي يحتضن ابناءه.
يعرف السماء ونجومها فهي مرشدته الى بر الامان ويقول هناك الياه والقطب والمطلع والمغيب وسهيل ومازال يتذكر نفسه صغيرا من خلال العاب الكرابي والهول وخبرته في معرفة انواع السمك ليلا سواء كان خباطا او كنعدا او قبابا او عومة. عن رحلاتهم يقول: كانت تستمر باليومين والثلاثة وكنت اربط الخيوط باصابع رجلي واعرف اي نوع من السمك اصطاد من خلال الطعم فالاعتماد على البحر كان الاساس فلا مصدر غير ذلك فنحن اهل بحر وخروجنا لصيد القباب كان موفقا فالبحر في تلك الايام كان بكرا لم يلوث ولم يقض على ثروته لذلك كان يجود علينا .
رغم بدائية وسائل الصيد المستعملة وكان هناك قانون بين الصيادين لانهم عيال فريج واحد وبلد واحد ويخافون على البحر ورزقه فكان الخور مثلا نبقيه محميا لمدة 4 اشهر لا صيد من اجل تكاثر السمك وحمايته وكنا نذهب للصيد في عمان ونصيد البياح الذي كان يغص به البحر لكثرته وكنا نبيع ال100 حبة ب 25روبية ونبيع ال100 حبة من سمك الكنعد ب 60 روبية .
ونبيع سمك السمان والروبيان ب100تومان للواحدة وتساوي 6روبيات اما القباب فكان سعر ال100 حبة 20روبية وكنا نبيعه مشقوقا ومملحا وتاتينا سفن من البصرة من العراق وكنا نبيع اكثر المراة مقايضة سلعة بأخرى السمك مقابل التمر والعيش والسكر وكل مستلزمات الحياة.
مقابل عيشة بسيطة فجالون الديزل كان يساوي 75فلسا واليوم الذي نكد به ب100 روبية كأننا نكد اليوم بمئة الف درهم لذلك كنا نهتم بعملنا والدليل صناعة المالح فنحن موصوفون به وكانت طريقته شاقة ومجهدة ولكن لعدم وجود الكهرباء والثلاجات كنا ندخره من موسم الى اخر ولادراكنا ان الصيد سرعان ما يفسد ويتلف فلا يعود ذا قيمة.
منذ قديم الزمان كان الصيادون يأتون بكميات وفيرة تزيد عن حاجتهم من الأسماك، ولأن الكهرباء لم تكن متوفرة لديهم كي يتم تخزين الفائض مثلجا، وأيضا لأن البحر متقلب في الأيام العاصفة فلا يستطيع الصيادون الخروج للصيد لأيام عديدة، والمواطن الإماراتي لا يطيق صبرا عن السمك، فقد ابتكروا (المالح)، مستفيدين من وسيلة التمليح التي ابتكرها الإنسان القديم لحفظ لحوم الحيوانات والأسماك.
فكان التمليح من الأشياء التي وفرت للإنسان حاجته من السمك في الأيام العاصفة فيحتفظ بصلاحيته دونما تبريد، ولا يفسد تحت أشد درجات الحرارة عند خروجنا للبحر لم نكن نعتمد على اجهزة حديثة فالبوصلة هي كل ما نملك ولكن لدينا دراية بالمد والجزر والنجوم التي كنا نهتدي بها ونعرف اي الطرق نسلك وكذلك انواع الرياح سواء اكانت مطلعي او السهيلي الفياضة وهي رياح شمالية غربية تزيد موج البحر بشكل ملحوظ ومفاجئ، ويستدل عليها البحارة بخط رفيع من السحاب.
اما الرايحة فهي رياح شرقية تهب اواخر فصل الصيف. رياح الشمال والسهيلي: رياح شتوية باردة ويسبق رياح الشمال رياح السهيلي او السموم وعادة يتبعها رياح نشطة تدوم لاربعة ايام الى اسبوع وتتبعها مرة ثانية رياح الشمال وتدوم لفترة اسبوع.
رياح الثمانين رياح شتوية قوية يرتفع الموج خلال هبوبها الى اعلى حد، وغالبا تهب وقت الفجر، وعلامات هبوبها هدوء البحر لذلك كنا بحارة بحق واذكر انه في العام 1979 اعطاني المغفور له الشيخ راشد (رحمه الله) قاربا فخرجت انا مع ولدي ماجد عمره تسع سنوات ومحمد ست سنوات للصيد به.
واذكر انه كان يوم جمعة وعندما وصلنا بطن ابو موسى توقفت ماكينة الطراد وكان مكانها داخل في الاسفل وتوقف الطراد وسط امواج (طهف) وضعت وقتها اولادي في (يونيه) وبقيت اعمل على اصلاح الماكينة قرابة 27 ساعة دون جدوى وخلال ذلك جاءنا مطلعان وسهيلي ودارت علينا الشمال وبقينا لعصر اليوم الثاني.
وانا كذلك وسط الامواج وبكاء الاطفال، مر علينا لنش وكنت (طارح) فوالله بكيت عندما رأونا وانقذونا ولكنهم قالوا لنا انهم في طريقهم لعجمان وليس أم القيوين فشكرتهم، ووقتها لا توجد تلفونات ولا وسائل اتصال كالتي توجد الان واعرف كم كانت الاسرة مشغولة علينا لانهم دروا بحالة البحر وعندما وصلت عجمان وجدت محطة بترول وعندهم هاتف رفض العامل الهندي ان اجري اتصالا فاعطيته وقتها مبلغا .
واتصلت بالاخ راشد بن حميد وكان وقتها وزيرا للشباب والرياضة واخبرته انني والاولاد بخير وموجودون في عجمان ليذهب بدوره ويطمئن الاسرة . اما ما كنا نحمله من عتاد استعدادا للصيد فهو لا يتجاوز الاشياء اليدوية كالصنارة وهي خيط يربط طعم في مقدمته ويلقى في البحر ويتم سحبه بواسطة اليد وكنا نتبع طريقة صيد الحلاق .
ونعمل دائرة لمدة نصف ساعة ونلقي شباكنا ونستخرج السمك اما طريقة الهيال فنتوح الليخ لمسافة ليست كبيرة ولا نتركه اياما او ساعات بل فترة وجيزة ثم نخرج صيده .. اذكر ان خور ام القيوين كان مليئا بالشعب المرجانية (العرشان) وكان ارتفاعها ما يساوي خمسة اقدام والان ارتفاعها لا يساوي القدمين لان الاسيويين (يتيحون عليها الشباك) ويضربونها (بالميدور) ولكن المسؤولين منعوا الصيد العشوائي وابقوا الخور لاهله لاننا نعرف قيمته والان لان الاسيويين لا يدخلون عادت له الحياة مرة اخرى.
واذكر ان النوخذا قديما كان يوزع ويعدل ويسمع اراء الناس ولكن الان لي عتب على جمعيات الصيادين التي تتخذ شعار (كلامك مسموع وسكوتك اولالك) لذلك بحرنا لم يعد به خير العمال اسيويون يقاسمونك النصف بالنصف دون تحمل اي اعباء من جانبهم سواء من ناحية الديزل او اصلاح الطراد والمكائن همهم جيوبهم .
ونحن بدورنا زدنا طمعا كل مواطن يملكله اربع او خمسة طرادات وعلى كل طراد خمسة اسيويين وصاحب الرزق ان خرج معهم فهو نائم .الى الان لا استطيع الابتعاد عن البحر اشتركت في مسابقات تراثية مثل مسابقة صيد السمك بالصنارة وجئت في المركز الاول . الحمد لله اعتبر راسمالي في هذه الدنيا ابنائي الذين مازالوا يعيشون في بيتي وكل واحد منهم عنده اسرته فهم الخير والبركة واتمنى لبلادنا تبقى عمرانة والله ايكثر الخير .
عبد المنعم الشديدي