تمثل العملات النقدية عموما إرثا ومدلولات تاريخية واقتصادية مهمة، والمدقق فيها سيجد انها تحمل معالم كثيرة، والامر ذاته ينطبق على الدرهم الذي بدأ اغريقيا وانتهى اماراتيا، ليحمل على وجهيه معالم اماراتية بارزة.
يحتفظ الدرهم بحكاية طويلة بدأت منذ القدم ولم تنته بعد في أيامنا، ويروي لنا قصته نجيب عبد الله الشامسي، مدير البحوث والدراسات في الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، الذي قال: يعود تداول النقود في الإمارات إلى عصور قديمة، حيث تعامل أهلها قديما بالمسكوكات الإغريقية، والرومانية، والبيزنطية، والساسانية، والقاديانية، وقد اكتشفت الحفريات الأثرية درهمين إغريقيين خاصين بالإمارات أحدهما فضي والآخر نحاسي، ويحملان صورة الإسكندر الأكبر، وكانا متداولين في القرن الأول قبل الميلاد. مع اتساع رقعة الإسلام أخذ السكان يتعاملون في العملة الإسلامية، وقد وجدت عملة «الدرهم» تحمل اسم القائد الإسلامي المهلب بن أبي صفرة، ومع قيام الدولة العباسية بدأ السكان يتداولون الدنانير الاسلامية.
ونتيجة لازدهار النشاط التجاري في المنطقة وانفتاحها على مناطق أخرى، دخلت الامارات عملات أخرى كالريال النمساوي الذي حمله التجار للإمارات لما له من قيمة كوحدة نقدية يتم تداولها بينهم لتسهيل الحركة التجارية، وعرف في المنطقة بالريال الفرنسي أو ريال الملكة تريزا، وبدأ تداوله منذ عام 1790 وبقي حتى ظهور الروبية الهندية، وكذلك الليرة العثمانية التي ظهرت بعد الريال النمساوي، وكانت الليرة الذهبية تعادل ستة ريالات نمساوية إلا أنها تلاشت بعد انحسار الوجود العثماني عن المنطقة إثر الهزيمة في الحرب العالمية الأولى. ونتيجة لقرب الامارات من السواحل الفارسية، والعلاقات التجارية التي نشأت معها تداول سكان الإمارات العملة الفارسية، وكانت وحدة «الچرخي» تعادل عُشر الريال النمساوي أو خُمس الروبية الهندية، بينما كان سعر صرف عملة «التومان» الإيرانية ذات الفئات الأكبر ثباتاً.
الروبية الهندية... قامت بريطانيا إبان وجودها في المنطقة بربطها اقتصاديا مع الهند، بسبب اتساع النشاط التجاري لأبنائها مع الهند، حيث كان تجار الإمارات يستوردون بضائعهم من موانئ كراتشي وبومبي وكلكتا الهندية، بالمقابل كانوا يبيعون اللؤلؤ في أسواقها، ونتيجة لذلك أصبحوا يتعاملون بالروبية الهندية خاصة في المجالات التجارية، وقد ساعد على انتشارها وجود فرع للشركة الهندية الشرقية في منطقة الخليج، والذي كان يتخذ من بصرة العراق مقراً له قبل نقله للكويت عام 1820، إلى جانب امتناع تجار الهند عن دفع قيمة اللؤلؤ الاماراتي بالذهب لارتفاع قيمته، وحرص التجار الهنود على ادخاره، ما دفع تجار الإمارات إلى قبول الروبية الهندية كأداة تبادل مع تجار الهند، ما زاد من انتشار الروبية الهندية بواحداتها المختلفة في الإمارات، حيث تم تداولها خلال الفترة من 1830-1853. وبقيت الروبية الهندية التي صدرت بعد استقلال الهند عام 1947 تمثل العملة الرئيسية في الإمارات حتى عام 1959، عندما أعلنت الحكومة الهندية عزمها إصدار روبية خاصة بالخليج، وتولى البنك الاحتياطي الذي يمثل السلطة النقدية في الهند إصدار روبية خاصة بالخليج، وطبعت نماذج جديدة منها تختلف في اللون لاستخدامها في المنطقة، وقد أصدرت الروبية الخليجية بنفس مواصفات وسعر صرف الروبية الهندية، بخلاف لون الورق المستعمل الذي تحول من الأزرق إلى الأحمر.
إثر صدور هذا القرار كان لدى البنوك العاملة في الخليج خلال الفترة بين شهري مايو ويوليو من عام 1959 ما يساوي 6 .34 مليون جنيه استرليني من الروبية الهندية، 50% منها لدى البنك البريطاني للشرق الأوسط الذي قام بتحويل 3 .36 مليون جنيه استرليني إلى الروبية الهندية الجديدة، وقد استبدلت بناءً على سعر الصرف السائد انذاك.
لقد كان لقرار الهند إصدار روبية خاصة بالخليج وقع سييء على الحكومات المحلية، لما له من تداعيات على العلاقات التجارية والاقتصادية التي تربط الخليج بالهند، ورغم قوة الروبية الهندية الاقتصادية، إلا أن الهند عزت خطوتها هذه إلى سعيها لحماية اقتصادها من عمليات التهريب غير المشروعة للعملة في ظل الوضع المتردي للخزينة العامة للدولة.
خلال فترة قصيرة امتدت من 11 مايو ـ 21 يونيو 1959 تمت عملية الاستبدال، في كل من أبوظبي ودبي من خلال البنك البريطاني للشرق الأوسط، والشارقة من خلال البنك الشرقي والبنك البريطاني للشرق الأوسط، وقدرت قيمة الإصدار من «روبية الخليج» حينها بنحو 500 مليون روبية. ولكن ما لبثت الحكومة الهندية عام 1966 ان قامت بتخفيض قيمة الروبية الهندية بنسبة 35%، ما أجبر بنوك الامارات على اغلاق ابوابها ريثما يتضح اذا ما كان التخفيض يشمل الروبية الهندية الخليجية أم لا، وجاء الرد بعد 10 أيام بشموله الروبية الهندية الخليجية أيضا، ما سبب أضرارا مادية للإمارات وبقية الخليج التي كانت تستخدم هي الأخرى الروبية.
عملات مشتركة
شكل الانخفاض وما سببه من أضرار مادية في الخليج، عاملاً مساعدا لإنهاء نظام العملة المشتركة، حيث ارتأت الإمارات عدم التعامل بالروبية الهندية لتقف امام خيارين، إما أن تقوم بإصدار عملة خاصة بها أو اعتماد إحدى العملات الموجودة في المنطقة.
وعلى الفور اختارت قطر ودبي إصدار عملة مشتركة خاصة بهما، مستنيرتين بتجربة الكويت والبحرين، في انشاء نظام نقدي وطني مستقل، وفي 21 مارس 1966 وقّعت كل من قطر ودبي اتفاقية «عملة قطر ودبي» التي تم بموجبها إصدار ريال قطر ودبي، وكخطوة مؤقتة تم الاتفاق على إحلال الريال السعودي محل الروبية في التبادل داخل الإمارتين وظل ريال قطر ودبي مستخدما حتى قيام دولة الاتحاد عام 1971.
بالمقابل كان لأبو ظبي إجراءاتها الخاصة حيث اتخذت بعد عدة أيام من تخفيض الروبية قرارا باعتماد الدينار البحريني كعملة رسمية لها، وتولى فرع البنك الشرقي المحدود في أبوظبي إصدار النقد للبنوك العاملة في أبوظبي نيابة عن مجلس نقد البحرين، وبذلك أصبح كل من الدينار البحريني وريال قطر ودبي قابلين للتبادل كل بالآخر على أساس سعر الصرف السائد، وهو عشرة ريالات قطر ودبي لكل دينار بحريني.
الدرهم عملة وطنية
مع اعلان الاتحاد، كان لا بد أن تكون للإمارات عملتها الخاصة لتتمكن من ممارسة دورها في الأوساط المالية العالمية، وعليه فقد استمر الدينار البحريني مكتسباً الصفة الشرعية للتداول في الإمارات حتى 18 نوفمبر 1973، بينما انتهت الصفة الشرعية لريال قطر ودبي في 18 سبتمبر 1973.
وفي العام ذاته تم الإعلان عن تأسيس السلطة النقدية (مجلس النقد) بموجب القانون الاتحادي رقم 2 الصادر في 19 مايو 1973، وكانت أولى مهامه إصدار العملة الوطنية وهي الدرهم لتحل مكان الدينار البحريني وريال قطر ودبي، وبعد طرح الدرهم للتداول في 1973 لم يعد للعملات الأخرى أية صفة قانونية، وكانت عملية الإحلال سريعة، وبلغ ما تم إصداره من العملة الوطنية خلال عملية الاستبدال 260 مليون درهم.
وفي نهاية عام 1974 تم زيادة العملة المتداولة حيث بلغت 506 ملايين درهم. وقد قام بنك أبوظبي الوطني وبنك دبي الوطني بمهمة الوكيل لمجلس النقد في فترته الأولى وأثناء عملية تحويل العملة.
وفي 2 ديسمبر 1980 أصدر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 في شأن المصرف المركزي والنظام النقدي وتنظيم المهنة المصرفية، والذي بموجبه تم إنشاء المصرف المركزي ليحل محل مجلس النقد، ويتولى اصدار الدرهم الذي نتعامل به حاليا.
إضاءة
الريال النمساوي، وقد ضرب عام 1780 ويظهر عليه وجه الملكة ماريا تريزا
يذكر نجيب الشامسي أن بعض الحكومات المحلية قامت قبل انشاء الاتحاد بإصدار مسكوكات تذكارية خاصة بها حملت شعاراتها المحلية، وتداولها المهتمون بها، ويروي ان حكومة رأس الخيمة قامت عام 1969 بإصدار عملة تحمل اسم الحكومة وتم طرحها للتداول الشخصي من قبل المهتمين بجمع العملات التذكارية، وكذلك الامر قامت به حكومات الشارقة وعجمان والفجيرة. وبعد انشاء الاتحاد قام المصرف المركزي باصدار عدد من المسكوكات المعدنية والذهبية احتفاءً بعدد من المناسبات التي مرت على الدولة، منها القرن الخامس عشر الهجري، والذكرى 25 لتصدير الامارات لأول شحنة نفط.
غسان خروب