أمّا وقد فاز باراك أوباما بالرئاسة، ولم يخيّب الناخب الأميركي التوقعات، فبات من حق المنطقة أن تأمل ـ من دون أن تراهن ـ بحصول هبوط في درجة التوتر في أرجائها. على الأقل لأن عهد بوش، قد أقفل عليه بالشمع الأحمر وهو في طريقه إلى رفوف المستودعات. كما لأن ماكين، الأشبه بظلّ بوش، قد بقي خارج البيت الأبيض، لكن فسحة التقاط الأنفاس هذه على أهميتها، لا تفي لوحدها بالغرض.

ملفات المنطقة وضعتها إدارة الرئيس بوش على نار حامية، إما كانت وراء تفجيرها؛ وإما أنها ساهمت إلى حدّ بعيد بمفاقمتها، تبريدها يتطلب مقاربة أميركية جديدة ومختلفة مقاربة لن تهبط على الإدارة الجديدة من سماء زرقاء المنطقة، يمكنها بل عليها، المساهمة في صياغتها وهنا هي مطالبة هذه المرة بتغيير عادتها والتحول من الطرف المتلقي إلى الطرف المبادر بدل سؤالها التقليدي عن ما هو الذي تريده الإدارة الجديدة من العرب؟ ينبغي أن يكون السؤال:

ما الذي تريده هي من إدارة أوباما؛ ثم وضع هذه الأخيرة في الصورة؛ وبصيغة تكون فيها لغة الإصرار غير ملتبسة. باختياره باراك أوباما للرئاسة، يكون الناخب الأميركي قد قام بخطوتين كبيرتين في آن. الأولى من عيار تاريخي. فيها ومن خلالها، حصلت عملية تصحيح نوعي وحاسم لمسيرة رافقتها لطخة العنصرية، منذ ولادتها.

انتخاب أول أميركي أسود لمنصب الرئيس، يعني سقوط آخر مداميك قلعة التمييز ضدّ الملونين، من أصل أفريقي؛ وإن استمرت بعض بقاياها في نفوس شرائح معينة من المجتمع الأميركي. مع وصوله إلى البيت الأبيض يتلاشى آخر الحواجز المزمنة في طريقهم، وتنشأ سابقة، لا رجوع بعدها إلى الوراء خاصة وأنها حصلت على يد غالبية وازنة من الأميركيين البيض أكثر من السود وكأن في اختيارهم هذا، مزيج من القبول بالآخر غير الأبيض، مرة وإلى الأبد؛ومن الشعور بالذنب عن ماض ملطّخ.

الخطوة الأخرى هامة ولو ليست من نفس العيار، وهي أن إلحاقهم الهزيمة بماكين، وبمثل هذا الرفض العارم لخطّه؛ ليس أقل من صفعة للمحافظين الجدد وتصفية حساب معهم لما جلبته سنوات حكمهم من كوارث ومآسٍ وأوجاع لأميركا وللعالم وربما كانت في ضوء الفوز الكاسح لأوباما كما للديمقراطيين في مجلسي الكونغرس صفعة توازي الطرد وحتى إشعار آخر من مواقع القرار في واشنطن.

في كل ذلك تطور جديد وواعد، وإذا ما أضيفت إليه الظروف غير الاعتيادية التي تمر بها الولايات المتحدة فإن المشهد الأميركي يصبح مختلفاً وإلى حدّ بعيد عما كان عليه، على الأقل هو يقدم فرصة وينطوي على إمكانية، غير معهودة في ما مضى لمخاطبة واشنطن من زاوية لم تكن متاحة بقدر ما هي اليوم، فالرئيس المنتخب جديد بالمعنى الواسع للكلمة وهو أتى رافعاً شعار التغيير كما انه جاء بتفويض كبير تعكسه الغالبية الكاسحة التي حملته إلى البيت الأبيض. ثم إن عليه التعامل مع تركة، لا يسعه إلاّ العمل على نقضها في أقله لا يسعه مواصلتها.

يضاف إلى هذا وذاك أن أميركا تواجه أكثر من ورطة، عالية الكلفة بعد الحروب المتهورة جاءت الأزمة المالية الكاسرة مزيج ثقيل تعيشه واشنطن وهي وفق كافة التوقعات والقراءات باقية في هذه الحالة وتداعياتها؟ ومعها العالم إلى حدّ بعيد؟ حتى إشعار آخر، ليس بقريب.

كل ذلك يوفر لحظة غير مسبوقة، لنسج علاقة جديدة مع إدارة أوباما صحيح أن الوضع العربي ليس في موقع القوة ناهيك بالإملا، حالته المتشرذمة معروفة لكن الفرصة سانحة، بل نادرة بإمكانه تبعاً لذلك وفي ضوء الظروف الخطيرة والواقفة عند حافة الهاوية في أكثر من ساحة لملمة أوضاعها ولو بالحد الأدنى فسحة الوقت كافية من الآن ولغاية استلام الرئيس الجديد مقاليد الحكم في مطلع السنة القادمة على أن يقوم ذلك على قاعدة صياغة موقف عربي حاسم، بخصوص ملفات المنطقة، لإبلاغه إلى الرئيس الجديد إذا لم يكن لفرضه، وهذا غير ميسور، فعلى الأقل لإشعاره بأن الكيل قد طفح مع واشنطن وأن المطلوب منه التصحيح السريع