في السابع من يوليو عام 1944 ، انتخب الأميركيون فرانكلين ديلانو روزفلت رئيسا للبلاد للمرة الرابعة على التوالي. وهو حدث لم يسبق له مثيل في تاريخ الولايات المتحدة، فعلى مدى التاريخ الأميركي، يتم انتخاب الرئيس لفترتين متتاليتين فقط. أما روزفلت فهو أول من نال شرف البقاء في البيت الأبيض لأربع فترات. ولم يكن ذلك اعتباطا، فانجازاته - بالنسبة لشعبه- جعلته أحد أعظم ثلاثة رؤساء في التاريخ الأميركي بعد الرئيس الأول جورج واشنطن بطل حرب التحرير، والرئيس أبراهام لنكولن محرر العبيد.
وأهم انجازات هذا الرجل، أنه نجح في إخراج بلاده من كارثة الركود والانهيار الاقتصادي الذي عاشه العالم عام 1929، ثم قاد بلاده إلى النصر خلال الحرب العالمية الثانية. تسلم الحكم عام 1933، وكانت بلاده كما وصفها ترتدي ملابس رثة. البطالة فيها أكثر من 30%، 12 مليون عاطل عن العمل، نصف المزارع المرهونة عقاريًا تواجه نزع الملكية عنها. إنتاج السيارات انخفض بنسبة 65% والحديد بنسبة 60%.
وربما يكون الكاتب الأميركي ديفيد اجناتيوس المعروف بكتاباته المتميزة في صحيفة الواشنطن بوست هو خير من يربط الواقع الأميركي بأحداث الأزمة الاقتصادية التي عاصرها الرئيس روزفلت وواجهها بنجاح. فهو يرى أن هذا الزعيم التاريخي يعطي القدوة والنموذج للرئيس الأميركي المقبل. يشير اجناتيوس إلى أن روزفلت كان حريصا على التحرر من الخطة الاقتصادية لسلفه الرئيس هربرت هوفر الذي كان في ذلك الوقت «بطة عرجاء» تماما كما هو حال أي رئيس يستعد لمغادرة البيت الأبيض.
ويتحدث الكاتب عن شجاعة روزفلت التي كشف عنها فور تسلمه الحكم في مارس 1933، اذ له مقولة شهيرة في مواجهة الركود الاقتصادي تقول« الشيء الوحيد الذي علينا أن نخاف منه هو الخوف نفسه». هذه المقولة نال عنها دعما شعبيا كبيرا تمثل في تلقيه نصف مليون برقية تأييد.
الى جانب ذلك، بدأ سلسلة أحاديث إذاعية شهيرة عرفت باسم «أحاديث المدفأة» لرفع معنويات الأميركيين بعد تدافعهم لسحب ودائعهم من البنوك عام 1933(واستمر في تلك السياسة في توجيهها خلال الحرب العالمية الثانية). قام روزفلت أيضا بوضع خطته التي وصفت بأنها برنامج المائة يوم الأولى في حياة روزفلت كرئيس. وأهم ماميزه في تلك الفترة، هو حرصه على انتقاء أفضل المستشارين ، وبهم انتزع الخوف من قلوب الأميركيين.
ومن جانبه يقول فيكتور سوبيان نائب مدير معهد الشؤون الأميركية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، إن روزفلت تمكن من إخراج الولايات المتحدة من أزمتها بفضل السياسة الاقتصادية الجديدة التي حصلت على تسمية «الاتجاه الجديد». وظهر كرجل دولة من الطراز العالمي.
وخلال الحرب الثانية، لعب روزفلت دورا هاما في تأسيس الائتلاف المعادي للنازية مما سمح بتوحيد جهود الدول العظمى الثلاث الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا والقضاء على ألمانيا النازية. ويشير سوبيان إلى أن إنشاء التحالف ضد النازية كان أمرا غير سهل، لان موسكو من جهة وواشنطن ولندن من جهة أخرى كانت تفصل بينهم حواجز ايديولوجية، وفي الولايات المتحدة كان هناك عدد كبير من المعادين للتعاون مع الاتحاد السوفييتي.
كما ان موقف الانعزاليين الأميركيين الذين يدعون إلى عدم دخول الولايات المتحدة الحرب، كان قويا. ولكن روزفلت سارع بعد وصوله الى الحكم إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي، وكان يدرك بشكل جيد أن الخلافات الايديولوجية لا تحمل أي أهمية عندما يدور الحديث عن المصالح القومية للدول. وحتى نهاية الحرب العالمية في سبتمبر 1945 كانت تتدفق من الولايات المتحدة الى الاتحاد السوفييتي الشحنات المختلفة التي ساعدت على مواجهة العدو المشترك.
ويرى سوبيان أن مؤتمري طهران ويالطا لزعماء الدول العظمى الثلاث والرسائل المتبادلة بين روزفلت و الزعيم السوفييتي ستالين أظهرت بأنه كان دبلوماسيا ماهرا فقد عرف كيف يجد لغة مشتركة وتفاهما متبادلا مع ستالين.
أما عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في عصر روزفلت، فقد كان قد تعهد بمساعدة اليهود في إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وأيد قرارات المؤتمر الذي عقده يهود الولايات المتحدة في نيويورك في مايو 1942 والتي أكدت على أن تكون فلسطين دولة يهودية بدون العرب.
وعن شخصية روزفلت صدر العديد من الكتب التي تناولت سياساته وانجازاته بل وحياته الخاصة. أبرزها كتاب جين ادوارد سميث. اذ تقول إن رحلة حياة روزفلت بدأت مع الترف والنعيم حيث كان ابنا لأسرة غنية من ولاية نيويورك، ولكن ما لبثت تلك الحياة أن تحولت إلى حياة سياسية وتحول صاحبها إلى شخصية خلابة ذي سيرة سياسية لا يضاهيها أحد سوى الرئيس لينكولن. وتقول المؤلفة سميث إن الرئيس جورج واشنطن أسس الولايات المتحدة، ولينكولن حافظ عليها، أما فرانكلين روزفلت فأنقذها من الكوارث الاقتصادية.
إضاءة
تقول الكاتبة جين ادوارد سميث في كتابها عن روزفلت إنه تعلم أصول الحياة السياسية وهو شاب من خلال المجلس التشريعي في نيويورك . وعمل كسكرتير مساعد للبحرية في إدارة الرئيس ويلسون. وتعرف عليه الشعب الأميركي في انتخابات 1920، وخسر وقتها بطاقة الترشح عن الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة. روزفلت لم يره العالم في عصره واقفا على قدميه.
ففي شبابه وهو في التاسعة والعشرين أصيب بشلل في قدمه وصار يؤدي عمله وهو على كرسي متحرك حتى وفاته. هذه الإصابة كانت حافزا زاده إصرارا على تحقيق طموحاته. وبالفعل بعد 11عاما من إصابته أصبح رئيسا على مدار 13 عاما متواصلة منذ انتخابه عام 1932 حتى وفاته في ابريل 1945 قبيل أن تخمد الحرب العالمية الثانية نيرانها.
حسن صابر