وسط التحولات التي تحدث على مستوى النظام الدولي وتركيبته واحتمالات بروز قوى جديدة تزايدات الكتابات في الفترة الأخيرة عن التحول غير العادي الذي طرأ على الهند ومطالبتها بحصة عادلة في زعامة العالم.. ترى ما الذي قد يجعل من أي دولة زعيمة عالمية؟ أهو عدد السكان أم القوة العسكرية.. أم النمو الاقتصادي؟ نستطيع أن نقول جازمين إن الهند قطعت خطوات غير عادية على كل هذه المسارات. فمن المتوقع طبقا لمعدلات النمو السكاني الحالي في الهند أن تسبق الصين باعتبارها الدولة الأكثر تعداداً في السكان في العالم بحلول عام 2034.
كما تمتلك الهند رابع أضخم جيش على مستوى العالم فضلا عن أسلحتها النووية. كما أنها تمتلك خامس أضخم اقتصاد على مستوى العالم طبقا لمعدلات القوة الشرائية التي ما زالت في صعود مستمر رغم العدد الهائل من سكانها الذين يعيشون في فقر مدقع. وتستخدم هذه المؤشرات عادة في الحكم على المكانة العالمية لدولة ما. الهند الجديدة هي النمر الثائر في الاقتصاد العالمي الجديد التي ربما تحل محل الصين باعتبارها أكبر قوة عظمى اقتصادية في آسيا.
لقد اعتنقت الهند المذهب الرأسمالي وازدادت فيها الشركات والمشاريع الرأسمالية واتسعت مساحة الطبقة الوسطى في الهيكل الاجتماعي الاقتصادي للشعب الهندي بسرعة هائلة. وأصبح من المعتاد هذه الأيام وخاصة في الغرب أن يتحدث الناس عن الهند باعتبارها قوة صاعدة.. فهذا البلد الضخم قد يستولي على العالم، فهو ينافس الصين على لقب التفوق الاقتصادي العالمي ويقدم الرد الشرقي على أجيال من النجاح الاقتصادي الغربي، حيث تتزايد معدلات الاستثمار الأجنبية والفرص التجارية في الوقت الحاضر، وتشهد الأسواق الهندية ازدهاراً لافتاً مما يجعلها واعدة للاستثمار.
انطلاقة اقتصادية
بدأت ألاالانطلاقة الأولى للاقتصاد الوطني الهندي بالنظرية التي صاغها نهرو والتي استندت إلى ركيزتين أساسيتين هما تكامل جهود القطاع العام مع تطور القطاع الخاص والتخطيط الاقتصادي الشامل.ألا وقد أُخذ على هذه النظرية أنها اعتبرت سد حاجات السوق المحلية وتطبيق سياسة تلبية الحاجات الملحة سقفاً لأهدافها. ولم تتجاوز ذلك إلى العمل على تحضير جميع القطاعات للانطلاق بعملية التصدير حيث إن هذا الخلل في تسقيف الخطط التنموية ضمن الحدود الإقليمية يسبب عزلة تقنية يدفع ثمنها على مراحل.
ألاوقد اهتمت النظرية التي افتتحت فيها الحكومة الهندية ملفها التنموي الوطني بتراكم الإنتاج وأهملت النوعية لعدم تفكيرها الجدي بالأسواق الخارجية على عكس ما فعلت اليابان كدولة صاحبة رقم قياسي في التطور التقني.
وعندما جاءت حكومة فاجبايي رئيس الوزراء إلى الحكم، استطاعت أن تحقق مشروعين هامين، الأول إنجاز محطات نووية ناجحة للأغراض السلمية من خلال جهود سياسية كبيرة وتوسيع رقعة النشاط الصناعي. والمشروع الثاني رفع سوية التنمية الثقافية والعلمية فقد صدرت الهند علماء كبار في جميع المجالات كبذور الحضارة المستقبلية للهند الجديدة واعتبرتهم سفراء وأدوات اتصال مع دول العالم.
كما نجحت أيضا في رفع نسبة الاستثمارات الخارجية في الهند في محاولة القفز بالبلاد كما فعلت النمور الآسيوية في مستهل تسعينيات القرن الماضي. وسلكت الهند طريق الإصلاح الاقتصادي على خطوات ثابتة وتمكنت من ضبط ديونها الخارجية وزادت احتياطيها من النقد الأجنبي وبدأت ملامح الاستقرار المالي بالظهور لتتيح المجال للحكومة للوصول إلى تحقيق نسبة 1% من إجمالي الصادرات العالمية.
وتحقيق معدل سنوي للنمو بنسبة 9% خلال السنوات العشر المقبلة من خلال تحسين معدلات التنمية البشرية التي تضعها الحكومة ضمن الأولويات حيث تقدر تكلفة سوء التغذية بنحو عشرة مليارات دولار سنويا وكذلك مشكلة الايدز التي حصدت ولا تزال ملايين الهنود مما يجعل الهند في المركز الثاني بعد جنوب إفريقيا.
بوادر تحسن
ألامهمة الإصلاح الاقتصادي في الهند مهمة شاقة وصعبة للغاية ولكن بوادر التحسن تظهر بشكل واضح كلما تجاوزت الهند مرحلة من مراحل التخطيط الشامل الذي يخضع للتعديل والدراسة الدقيقة باستمرار. ووجدت الهند أن الصناعة هي ركن التطور الاقتصادي ورفع معدلات التنمية، لذلك صبت اهتمامها على تطوير القطاع الصناعي بجميع جوانبه والاستعانة بالخبرات اللازمة لرفع مستوى الإنتاجية من أجل تحقيق الأهداف المستقبلية للهند، وهي تلك التي عبر عنها المهاتما غاندي عندما قال كلمته الشهيرة احمل مغزلك واتبعني.
الحالة الهندية جديرة بالتوقف للحظات. فالسؤال هو هل ما يحدث في الهند فرصة للصعود والترقي أم أنها مجرد حالة عابرة قابلة للرد والانتكاس؟ والسؤال على هذا النحو يتطلب إجابة من شقين:
الأول: يتعلق بالإمكانيات المتاحة لدى الهند، والثاني: يتعلق بالقيود التي يتوجب على الهند أن تتخلص منها إن أرادت وضع نفسها على خريطة القوى الاقتصادية الكبرى في القرن الحالي. وإذا كان للهند قدرة على الصعود بالمعايير الجغرافية والسكانية والسياسية ومن حيث الموارد الطبيعية فإنها تواجه عدة تحديات كبرى، منها مشكلة الديمقراطية التي تتطلب تطويرا جذريا ومواجهة مشكلة الفقر الذي يصيب 14% من السكان حسب بيانات البنك الدولي، وانخفاض مستوى التعليم، ومشكلة الصحة العامة، وندرة مياه الشرب والتضخم الذي يتجاوز21%.
لكن تطوير نهضة الهند يتطلب عددا من القواعد الصحيحة والمتكاملة معا منها تصحيح العلاقة بين الديمقراطية ووضع السياسات ذات الطابع الاستراتيجي أو بمعني آخر إيجاد صيغة لاستقرار الاستراتيجيات والسياسات بعيدة المدى رغم تغير الحكومات المركزية أو الإقليمية وإشاعة التسامح في المجتمع وإيجاد علاقة ديناميكية بين الهند كدولة قديمة الجذور وبين تشكيل أمة شابة خلاقة طموحة.
وعقل إبداعي وروح تنظيمية علي مستوى المجتمع ككل، وإنشاء هياكل وأنظمة مالية قوية ومتطورة، ورفع نسبة الادخار المحلي.. والمقصود ما تتطلبه نهضة الهند تتطلبه نهضة أمم أخرى عديدة ويبقى الأمل مرهون بإرادة سياسية ومجتمعية تحول القيود إلى فرص خلاقة.
مشكلات البنية الأساسية
ولا يخفي الخبراء قلقهم إزاء نموذج النمو الهندي، حيث مازالت البنية الأساسية أقل من المطلوب وقطاع الأعمال يفتقد لنموذج نمو واضح المعالم، وهناك نقص في وسائل حل المشكلات، واستمرار الحكومة في التحكم في الجزء الأكبر من الاستثمارات، وتباين أخلاقيات العمل بين الولايات الهندية مما يخلق مشاكل عديدة، هذا فضلا عن استمرار نسبة عجز الموازنة العامة في حدود 6.4%.
أما النظام القضائي فمازال تطوره بطيئاً وبحاجة إلى تغيير هائل ناهيك عن أن الهند لا تحصل على استثمارات خارجية كبيرة، اذ تستقطب دول مجموعة الآسيان التسع النسبة الأكبر من هذه الاستثمارات التي تتوجه إلى الدول الآسيوية بوجه عام.
ورغم كل الانتباه الذي حظيت به ثورة التجزئة الهندية وبراعتها الفائقة في حقل تكنولوجيا المعلومات وقطاعات التصنيع المزدهرة خلال الأعوام الأخيرة إلا أن 70% من سكان الهند ما زالوا يعتمدون اعتمادا مباشرا على القطاع الزراعي وهو يمر بأزمة طاحنة حيث انحدر نمو الزراعة من معدل باهت 8. 3% إلى معدل ضعيف 6. 2% في العام الماضي جراء انخفاض مستويات المياه الجوفية في المناطق التي ما زال المزارعون فيها قادرين على حفر الآبار.
كما لم يعد من الممكن التكهن بمعدلات سقوط الأمطار وأفسحت الزراعة التقليدية للحبوب الغذائية والفواكه والخضراوات الطريق أمام المحاصيل المدرة للمال وزراعة المحاصيل الواحدة التي تعتمد على المداخيل الزراعية المكلفة التي يعجز صغار المزارعين عن تحمل تكاليفها ومياه الري التي لا يجدونها.
ويلجأ المزارعون إلى الاقتراض من شركات خاصة، ثم يقتلون أنفسهم حين يعجزون عن سداد أقساط الديون، حيث سجلت حالات انتحار المزارعين الهنود معدلات قياسية خلال العقد الماضي والتي تجاوزت مائة ألف وفاة، فضلا عما تفرضه من حرج على الحكومة المتلهفة إلى تعزيز صورة الهند باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية عالمية قادمة.
وتعتبر مكافحة الفقر والبطالة مهمة دائمة للحكومة الهندية وقضية تاريخية ومن جراء ذلك فإن الهند تعتبر أكبر مصدر لليد العاملة في العالم وقد عمدت دراسات عديدة محلية ودولية إلى متابعة هذه المشكلة، حيث وجدت منظمة العمل الدولية أن الهند ترسل إلى أوروبا سنويا عدة مئات من خبراء الحاسوب وترسل إلى الدول الآسيوية في شرق القارة عدة مئات من آلاف التقنيين في الاتصالات والصناعات الالكترونية، وفي الوقت ذاته فإن عدة ملايين يعملون في تركيا وإيران ودول الخليج العربي.
تأثيرات الأزمة المالية
وبالتأكيد سيكون للازمة المالية العالمية الراهنة تأثيرها على نموذج النمو الهندي والذي سيعاني على الأرجح من ضغوط التضخم والذي سيؤثر بدوره على نسبة إنفاق الطبقة الوسطى، التي تمثل بدورها أحد محركات النمو في التجربة الهندية، ولذا ليس أمام الهند كما دول آسيوية أخرى سوى تجويد مستوى التنافسية لمنتجاتها وسلعها، فضلا عن التعاون في إيجاد المعرفة التي هي أساس الاقتصاد الدولي البازغ.
ومن جهة أخرى لا يزال الطريق أمام الهند طويلاً حتى تتمكن من ضمان صحة مواطنيها وحصول الجميع على الغذاء السليم وتوفير الأمن لهم. ورغم أن الهند أحرزت بعض التقدم على هذا المسار، فإن المعركة ضد الفقر ما زالت متواصلة بفعل تقدمها البطئ.
إضاءة
من اللافت للنظر في التجربة الهندية إدارتها المتوازنة والمتوازية نسبيا بين التنمية الاقتصادية والسياسية بعدم تعليق واحدة منها على الانتهاء من الأخرى والانتباه النسبي إلى دور سياسات الرفاه والدعم الاجتماعي التي ساهمت في ضمان ديمومة تفاعل الجماهير مع الإصلاح في الاتجاهين السياسي والاقتصادي. وتحمل الأعراض الجانبية والضغوط الناجمة عن الخصخصة وسياسات السوق بحاجة إلى تكريس الشفافية والمساءلة والمحاسبة والديمقراطية هي التي يمكنها أن تزرع ذلك وتنشره إلى حد كبير.
د. معمر الفار