في أعقاب الحرب العالمية الثانية هبت الولايات المتحدة الأميركية لإنقاذ الاقتصادات الأوروبية التي خرجت مدمرة وضخت مابين 12 إلى 17 مليار دولار وهو مبلغ هائل بحسابات تلك الأيام. ولولا هذا الإجراء التمويلي الضخم الذي أطلق عليه (مشروع مارشال) ما تمكنت الاقتصادات الأوروبية من استعادة عافيتها بسرعة ولما شهدت أوروبا النمو الاقتصادي الهائل الذي تتعيش منه الآن.

فقد أدركت الولايات المتحدة، بعد أن خرجت من عزلتها، أن تطورها وتفوقها صار مرتبطا بالازدهار والنمو في أوروبا، إلى جانب الخشية من الاتحاد السوفييتي، فكان مشروعها الذي وضعه الجنرال جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي، ثم صار فيما بعد وزيرا للخارجية. واستطاع هذا الوزير العسكري أن يعيد تجديد الاقتصاد الأوروبي بما يتوافق مع مصالح الرأسمالية الأميركية، وأن يحقق لبلاده التفوق غربيا وعالميا من داخل بنية الاقتصاد الغربي. فقد كانت المشكلة غربية، وكذلك كان الحل.

اليوم ومع الأزمة المالية الغربية المستحكمة، يبحث الغرب كله سواء الولايات المتحدة أو أوروبا عن مشروع مارشال جديد ينقذها من هذه الأزمة، فالطرفان في مأزق معقد ومتنام نشأ عن خلل في بنية وآليات النظام الاقتصادي على ضفتي الأطلسي، لظروف متشابهة ولأسباب متقاربة. والطرفان بما اتخذاه من إجراءات لتبريد الأزمة لم يتمكنا بعد من التغلب عليها، لأن الإجراءات التي تمت ليست كافية. ولابد من مشروع إنقاذ يتجاوز ما لديهما من قدرات، كي لا تظل الحلول نوعا من الدوران في مدار ثابت إلى حد التجمد.

وفي إطار البحث عن الحلول المستوردة من خارج المعسكر الغربي، ينعقد في يوم السبت الموافق الخامس عشر من نوفمبر الجاري، مؤتمر قمة مجموعة العشرين، بالعاصمة الأميركية. وينعقد هذا المؤتمر بدعوة من الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش. وتضم مجموعة العشرين الدول الصناعية الكبرى ودول الأسواق الناشئة. وتعتبر المملكة العربية السعودية هي الدولة العربية الوحيدة الممثلة ضمن اطر المجموعة.

ويأتي هذا الاجتماع الذي يعد مؤتمر قمة العالم، بعد سلسلة من الاجتماعات والمؤتمرات الدولية التي انعقدت لنفس الغرض التي تعقد له هذه القمة، منذ شهر أكتوبر الماضي، بعد أن ضربت الأزمة المالية العالم. وكل هذه الاجتماعات تمكنت من بلورة صيغ ورؤى تهدف للاتفاق على مخرج عالمي من هذه الأزمة، لكن ينقصها الاتفاق العالمي حولها، اذ ثبت للجميع ان التغلب على الأزمة لن يكون بمقدور دولة واحدة مهما عظمت، ولن يكون بمقدور تكتل واحد مهما كان قويا ومتماسكا، فالحل لابد وأن يكون عالميا لأن الأزمة تتسم بهذه السمة.

وكانت أوروبا قد شهدت أول تحرك جماعي، بانعقاد القمة المصغرة التي ضمت ألمانيا وفرنس وايطاليا وبريطانيا في الرابع من أكتوبر الماضي بدعوة من الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي بصفته رئيس الاتحاد الأوروبي، ثم تتالت الاجتماعات: قمة دول اليورو، قمة مجموعة الدول الصناعية السبع، قمة العشرين(12اكتوبر)، قمة الاتحاد الأوروبي، القمة الفرانكفونية، قمة (آسيم) التي ضمت دول الاتحاد الأوروبي وسبع عشرة دول آسيوية.

الضخ المالي وخفض الفائدة

ومن هذه القمم جاءت خطط إنقاذ عاجلة عبر تدخل الدول بضخ نحو أربعة تريليونات دولار في الأسواق والمصارف المالية لتخفيف حدة الأزمة. وتركزت عمليات الضخ في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. كما جاءت خطوة خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة واليابان والصين ومن المتوقع ان تحذوهم دول أخرى.

كما تحرك صندوق النقد الدولي لإنقاذ الدول التي توشك على الإفلاس مثل: ايسلندا(مليارا دولار)، وأوكرانيا (16 مليار دولار)، والمجر( 25مليار دولار). واتفقت دول جنوب شرق آسيا ( آسيان) مع البنك والصندوق الدوليين على إنشاء صندوق لإنقاذ الدول من الأزمة ولشراء ديون المؤسسات المتعسرة. وكان العرب كالعادة هم الطرف الغائب عن العمل المشترك.

وقد أسفرت هذه القمم أيضا عن مشروعات تتفق كلها على ضرورة إصلاح النظام المالي والاقتصادي في العالم. لكن بعض الدول ترى انه لم يعد مقبولا استمرار النظام الذي أدى الى حدوث هذه الازمة، وتطالب بوضع نظام جديد متعدد الأقطاب، لاتنفرد فيه الولايات المتحدة بتقرير مصير العالم، لأن هذا الانفراد هو ما أدى إلى الأزمة الحالية. وهنا مكمن الخلاف الذي انتج بالفعل ثلاثة رؤى دولية للعلاج، وهذه الرؤى هي:

* الرؤية الأميركية

* الرؤية الأوروبية

* الرؤية الآسيوية وبالأدق الصينية

كانت هذه الرؤى هي المحفز للولايات المتحدة لتجميع الجهود الدولية، بما يحقق بينها نوعا من التقارب الدولي وبما لا يخل بأسس الهيمنة الأميركية على الاقتصاد العالمي، ومن هنا جاءت الدعوة الى عقد فمة العشرين، استجابة لضغوط اوروبية وصينية، وكمقترح متطور لما طالب به روبرت زوليك رئيس البنك الدولي، الذي اتهم مجموعة الدول السبع الصناعية بالفشل في القيام بعملها، مطالبا بمجموعة أوسع لتولي شؤون العالم الاقتصادية، وهو مايؤكد التناغم بين السياسة الأميركية وتحركات البنك الدولي، وهو ماقد تسفر عنه نتائج القمة.

بلورة مبادئ الإصلاح

وفي كلمته التي ألقاها يوم الأحد السادس والعشرين من أكتوبر اكد الرئيس الأميركي جورج بوش ان هذه القمة ستناقش أسباب المشاكل في الأنظمة المالية العالمية، وتراجع ما تم من حلول، لبلورة مباديء اصلاح هذه الهيئات والمؤسسات. وسوف نركز في القمة على التحديات قصيرة الأجل. ويجب على الحكومات أن تجدد التزامها بأساسيات النمو الاقتصادي الطويل الأجل في الأسواق الحرة والمؤسسات الحرة والتجارة الحرة.

وهكذا حدد الرئيس بوش تصوره للقمة، فهو يريد منها التعامل مع الأزمة وسبل حلها من دون المساس بفلسفة النموذج المالي والاقتصادي الذي تتبناه بلاده، على الرغم من أن هذا النموذج هو ما أنتج الأزمة وصدرها للعالم. وكأنه يرد على الانتقادات التي ترددت في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية ضد الولايات المتحدة الأميركية.

لكن الأوروبيين لا يتفقون مع الرئيس بوش في تصوره، فهم يريدون إعادة مأسسة النظام الاقتصادي العالمي، عبر تطوير المؤسسات الاقتصادية الدولية القائمة، و بما يوسع دائرة القرار في الصندوق والبنك الدوليين.

وهم في ذلك يتفقون الى حد ما مع الصين، بل ان الرئيس الفرنسي يذهب لأبعد من ذلك بدعوته الى إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهذا ما أعلنه أمام القمة الفرانكفونية، حيث طالب بتخصيص مقعد دائم لأفريقيا بمجلس الامن، وبحضور صيني وهندي فاعل في حل مشكلات العالم، وذلك في معرض حديثه عن مسببات الأزمة المالية وعلاجها، اذ يرى ان العالم أصبح متنوعا، ولم تعد فيه قوة مطلقة.

وأمام قمة (آسيم) دعا الأوروبيون الى إخضاع المؤسسات الاقتصادية المتسببة في الأزمة لقواعد محاسبة صارمة. ويطالب الأوروبيون أيضا باستحداث آليات جديدة للإنذار المبكر والإنقاذ المالي من خلال انشاء صندوق مالي جديد يتبع صندوق النقد الدولي، ويتولى تمويل حلول الخروج من الأزمة المالي العالمية، على غرار فكرة مشروع مارشال. ومن أجل هذا الهدف يتفق الأوروبيون والأميركيون على دور المملكة العربية السعودية، على دور الصناديق السيادية العربية كممول.

ويرى الأوروبيون أن إعادة مأسسة النظام الاقتصادي الدولي ستنهي سطوة الدولار كعملة مهيمنة، ويمنح الدولة دورا اكبر في إدارة وتوجيه النشاط الاقتصادي، بل ان الرئاسة الأوروبية دعت الى إنشاء صناديق سيادية لتملك وإدارة المؤسسات الحيوية داخل الاتحاد الأوروبي، وهو مايعني ولادة جديدة للرأسمالية تخالف النمط الذي يسود الولايات المتحدة، وتروج له الرأسمالية الأميركية.

وتقترب روسيا والصين من التصور الأوروبي، وتراه بكين منصفا لها اقتصاديا وسياسيا، لذا لم تبد رفضها لفكرة إنشاء صندوق للتمويل في اطار صندوق النقد الدولي لكنها تشترط أن يكون مصحوبا بنظام مالي جديد، تزداد فيه قدرة الدول النامية على ادارة قواعد اللعبة المالية والاقتصادية العالمية. فالصين تمتلك احتياطيا ضخما من العملات الصعبة يقدر بنحو تريليون وتسعمائة مليار دولار.

وتليها في ذلك عالميا اليابان بنحو تريليون ومائتي مليار دولار، ثم روسيا باحتياطي يقدر بحوالي خمسمائة مليار دولار. أما العرب فتتراوح الاحتياطات النقدية لديهم مابين تريليون ونصف إلى نحو تريليوني دولار، ومعظم هذه المبالغ موظفة في الصناديق السيادية لدى الغرب.

وهنا مكمن الصراع بين التصورات الأميركية والأوروبية والصينية للحلول المقترحة للأزمة، فبينما ترحب أوروبا بالدور الصيني الصاعد كورقة ضغط لإنهاء انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على النظام العالمي، وتتفق مع الصين على توسيع دورها في إدارة المؤسسات الاقتصادية الدولية، فان الولايات المتحدة الأميركية تميل إلى استحضار المال العربي بديلا عن الطموح الصيني، ذلك لأن العرب لا يمتلكون القوة التفاوضية التي لدى الصين. كما أنهم على المستوى الرسمي لا يهددون مطلقا من قريب أو حتى من بعيد مكانة الولايات المتحدة عالميا.

ويبدو أن الأوروبيين صاروا يشاطرون الأميركيين رؤيتهم مؤخرا من دون أن ينال ذلك من ورقتهم الصينية. وهذا هو سر التحركات الأميركية والأوروبية إلى المنطقة العربية خلال الأيام الماضية، فالغرب يريد من المال العربي تمويل الماريشالية الجديدة.

ولهذا فان المملكة العربية السعودية مرشحة على وجه الخصوص للعب دور عالمي على عدة مستويات: (1) ضخ المال لحل الأزمة المالية العالمية.(2) ضمان تدفق النفط إلى السوق العالمي بأسعار لا ترهق تتناسب مع أزمة الاقتصادات الغربية، خاصة بعد قرار أوبك بخفض الإنتاج.(3) مساندة الدولار كعملة عالمية لا تزال قادرة في تسعير النفط. وهو ما يعني أن المستقبل سيشهد مزيدا من التقارب الغربي السعودي، بل والخليجي عموما، على حساب تهميش دول عربية كبرى.

ومن الملاحظ أن الدول العربية ذات الاحتياطات المالية لا تمانع في التدخل لإنقاذ العالم من أزمته، وهو ما يعطي العرب فرصة تاريخية للتأثير على القرارات الدولية الصادرة من عواصم الغرب باتجاه توظيفها من أجل القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.. ولكن هل يفعل العرب ذلك؟ وإذا فعلوا هل يكتب لهم النجاح؟ الإجابة ستبدأ من طاولة مؤتمر العشرين، لكنها لن تتبلور إلا حين ميسرة.

إضاءة

مجموعة العشرين تعتبر منتدى يضم ممثلين لكل قارات العالم، فضلا عن صندوق النقد والبنك الدوليين. فهي تضم: الولايات المتحدة وكندا، والبرازيل والمكسيك والأرجنتين، والاتحاد الأوروبي وفرنسا والمانيا وايطاليا والمملكة المتحدة، وروسيا والصين واليابان والهند واندونيسيا وكوريا الحنوبية وتركيا والسعودية، وجنوب أفريقيا، واستراليا.

وقد تأسست هذه المجموعة في العام 1999 في برلين لتعزيز الحوار بين الشمال والجنوب. وتعتبر المملكة العربية السعودية هي الدولة العربية الوحيدة الممثلة في هذه المجموعة. وتجتمع الدول العشرين دوريا من خلال قادتها وممثليها الماليين والاقتصاديين لتدارس أحوال العالم ومشكلاته.

أحمد الكناني