توقفنا في حلقة الأسبوع الماضي حول بدايات الخدمات الصحية في الإمارات مع الدكتور رمضان شبير عند استعراضه للجهات التي كانت نشطة في هذا المجال، وتعرضنا معه أولا لدور الحكومات المحلية ثم حدثنا عن الخدمات التي كانت تقدمها دار الاعتماد البريطاني، وانتهينا إلى دور مجلس التطوير، وفي هذه الحلقة نتواصل مع ذكريات الدكتور شبير كواحد من أوائل الذين عملوا في مجال الطب في الإمارات مع انتهاء فترة الخمسينات.
واستكمالا للحديث في إطار استعراض الجهات التي كانت تقدم الخدمات يقول رمضان شبير: إضافة للجهات التي ذكرتها سابقا كان لبعض الإرساليات التبشيرية دورها الخدمي الطبي وأذكر منها الإرسالية الأميركية بمنطقة «دهان» في رأس الخيمة، حيث كانت هناك عيادة طبية تتواجد فيها ممرضة واحدة تقوم بعملية التوليد، وكان الأهالي يطلقون على العيادة اسم «عيادة أم دانيال» نسبة للقب الممرضة، وفي الشارقة كانت توجد مستشفى سارة هدسمن وتتبع أيضا الإرسالية الأميركية.
أما الجهة الأخيرة التي كانت تقدم الخدمات الطبية في الإمارات فهي البعثة الطبية الكويتية التابعة لمكتب الكويت بدبي، وهنا نستعرض ملامح الخدمات التي كانت تقدمها البعثة في إمارة دبي على وجه التحديد، وكان مستشفى الكويت في دبي أول مبنى عملت فيه البعثة وكان مكونا من عدة بيوت متجاورة تبرع بها من جمعة الماجد ومحمد عبد الله القاز.
وكانت هذه البيوت في منطقة بور سعيد على شارع المكتوم ومقابل مقر الببسي كولا القديم، وافتتح المبنى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد في نوفمبر من عام 1962، وتم نقل المستشفى إلى المقر الجديد في منطقة البراحة وافتتح رسميا في ابريل عام 1966 بحضور المغفور لهما الشيخ راشد بن سعيد والشيخ صباح السالم الصباح أمير دولة الكويت في ذلك الوقت.
وكان مبنى المستشفى الجديد يضم 131 سريرا للرجال والنساء والأطفال، وكان به قسم العيادة الخارجية وقسم للجراحة وآخر لجراحة العظام، كما كان يضم أقساما للعيون والأنف والأذن والحنجرة وأمراض النساء والولادة والأمراض الباطنية والأطفال والأمراض الجلدية والتناسلية، إضافة إلى المطبخ المركزي وقسم الأشعة والمختبر والصيدلية ومستودعات الأدوية والأدوات الطبية والصحة المدرسية والطب الوقائي والتثقيف الصحي والمجلس الطبي وعيادة الأسنان.
كما تم إنشاء بنك الدم ضمن مرفقات المستشفى وكان أغلب المتبرعين من أبناء الدولة وأهالي المرضى المحتاجين لنقل دم، إضافة للبحارة القادمين إلى ميناء راشد وكذلك الجنود البريطانيين العاملين في قوة ساحل عمان، وكنا نقوم بتوزيع منشورات باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية على البحارة العاملين على السفن التي ترسو في ميناء راشد مما كان له الأثر الكبير في توفير فائض من وحدات الدم المختلفة.
وفي بر دبي أقامت البعثة الكويتية مستوصفا في بيت مستأجر وافتتحه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد في العاشر من مايو 1963.
وفي عام 1966 تم نقل المستوصف لمبناه الجديد الذي أقامته البعثة في المنطقة نفسها، أما عيادة الأمراض الصدرية فقد كانت جزءا من مستوصف بر دبي الجديد في البداية وبدأ العمل فيها في عام 1967 وكان زميلنا الدكتور علي محمد موسى وهو من مواطني سلطنة عمان ووزير الصحة العماني حاليا يعمل في هذه العيادة، غير أن البعثة الكويتية قامت باستغلال مبنى مدرسة أم سقيم بالجميرا وقد كان خاليا من الطلاب لعدم وجود كثافة سكانية في المنطقة في ذلك الوقت وحولته إلى مستشفى للأمراض الصدرية.
وتم افتتاحه رسميا في الثامن من سبتمر عام 1969 بحضور المغفور له الشيخ راشد بن سعيد والشيخ صباح الأحمد الصباح أمير دولة الكويت حاليا ووزير الخارجية في ذلك الوقت، وأذكر وقتها أن تم اعتماد مبلغ من المال في ميزانية دولة الكويت لإنشاء مستشفى حديث للأمراض الصدرية والأمراض المعدية في منطقة الجميرا بدبي لكن تخوف بعض أهالي المنطقة من الأمراض المعدية التي ستعالج في المستشفى حالت دون إكمال المشروع، فما كان من مكتب الكويت إلا أن قام ببناء المستشفى في إمارة الشارقة.
وفي الشارقة أنشأت البعثة الكويتية مستوصفا في بيت كان يستأجره مرشد العصيمي وهو من أبناء دولة الكويت، وافتتح المستوصف المغفور له الشيخ صقر بن سلطان القاسمي في السادس عشر من يناير عام 1963، أما مستشفى الكويت بالشارقة فقد تم افتتاحه رسميا في التاسع من مارس عام 1971 بحضور المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي والشيخ بدر محمد الأحمد الصباح رئيس مكتب الكويت بدبي.
وأحمد السقاف رئيس الهيئة العامة بالكويت لمساعدة إمارات الخليج، أما مستشفى الأمراض الصدرية بالشارقة فقد تم افتتاحه في 10- يوليو عام 1971، لكن بعد استقلال الدولة وقيام الاتحاد تم إلغاء المستشفى لعدم وجود حالات مرضية تتطلب متابعتها وتحول المبنى إلى مستشفى عام تحت اسم مستشفى الكويت بالشارقة وكان ذلك في عام 1974 تقريبا.
وأقامت البعثة الكويتية عدة مستوصفات ومستشفيات في الإمارات الشمالية مثل مستشفى خور فكان وبدأ العمل فيه عام 1963 بمكرمة من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وفي عجمان تم إنشاء مستوصف في بيت مستأجر وافتتحه المغفور له الشيخ راشد بن حميد النعيمي في 19 يناير عام 1963 وتم نقل المستشفى إلى مقره الجديد في 26 فبراير عام 1969.
وفي أم القيوين تم إنشاء مستوصف في بيت مستأجر وافتتحه المغفور له الشيخ أحمد بن راشد المعلا عام 1963 وفي عام 1969 تم نقله إلى مقره الجديد، وكان لي شرف إلقاء كلمة الافتتاح بوصفي رئيسا لأطباء البعثة الطبية الكويتية، وأذكر أن الافتتاح هو الأول الذي يبث على الشاشة من خلال تلفزيون الكويت من دبي، وفي رأس الخيمة أنشأت البعثة الكويتية مستوصفا في بيت مستأجر كان يقع قريبا من مبنى الحصن القديم وكان الطبيب المعالج يقيم في بيت مستأجر آخر قريبا من المستوصف، وفي 7مارس عام 1969 تم نقله إلى مقره الجديد في منطقة دهان.
تلك هي الجهات التي كانت تقدم الخدمات الصحية في دبي والإمارات الشمالية كما يرويها الدكتور رمضان شبير، وبعيدا عن تطور الخدمات وافتتاح المستشفيات الجديدة من قبل الجهات الحكومية في الإمارات بعد ذلك، تبقى مسألة تقبل الأهالي للطب الحديث وتفاعلهم مع المستشفيات، يقول الدكتور شبير:
كان الوعي الصحي كبيرا بين سكان المدن والبوادي، وكان العلاج بالأعشاب الطبية معروفا لدى البعض الذي يملك دراية بتجبير كسور العظام والتداوي بالأعشاب الذي عاد إليه العالم اليوم تحت مسمى الطب البديل، وكان مرض الملاريا الأكثر انتشارا في رأس الخيمة بسبب مياه الآبار الراكدة وكان السكان يعالجونه بنبات يسمى الحرمل.
وقد بحثت عن هذا الاسم في المصادر الإنجليزية ووجدت في خصائص هذا النبات أنه يسكن الألم ويخفض ارتفاع درجة الحرارة وله مفعول قوي في علاج بعض الطفيليات كما ذكرت المصادر، هذه الخبرات المتراكمة عند الأهالي بأهمية العلاج جعلتهم يتعاطون مع المستشفيات والأطباء بقدر كبير من الاحترام والثقة، وأيضا لم نكن نعاني من صعوبات تذكر حيث كان الحكام يساندوننا ويقدمون لنا الدعم اللازم وقت الحاجة، غير أن عدم وجود طرق معبدة كان يعيق تحركاتنا بعض الشيء خصوصا المناطق النائية والجبلية التي كنا نصل إليها بسيارة الجيب.
إضاءة
الدكتور رمضان شبير من الأوائل الذين قدموا إلى الإمارات ضمن البعثة الطبية الكويتية في عام 1963، عمل في بداية مشواره الطبي ضمن وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين، ثم عمل في مستشفى دار الشفاء ومستشفى النصر بمدينة غزة، وانتقل بعد ذلك للعمل في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، ثم انضم بعد ذلك لوزارة الصحة الكويتية التي اختارته للعمل في الإمارات، وكانت رأس الخيمة محطته الأولى باعتباره أول طبيب يقيم في الإمارة.
عز الدين الأسواني