حرب السويس بتفاصيلها المثيرة، ستظل مادة خصبة لمن عاصرها، بل وتثير أيضا شهية الأجيال التي لم تكن شاهدا على أحداثها الساخنة. وخير من أجاد الكتابة عن تلك الحرب بمصداقية وشفافية مطلقة الكاتب العربي الكبير محمد حسنين هيكل.
واليوم يمر 52 عاما على بدء التدخل العسكري البريطاني- الفرنسي المشترك في منطقة قناة السويس، والذي جاء بعد 48 ساعة من اجتياح القوات الإسرائيلية لسيناء. تأميم القناة، كان الذريعة التي جاء بها العدوان الثلاثي على مصر. وبشهادة التاريخ، كان موقف الغرب الرافض لتمويل مشروع السد العالي (باكورة طموحات الزعيم الخالد جمال عبد الناصر لإقامة نهضة مصرية حديثة)، هو الذي أتى في نهاية المطاف بالعدوان. رفض التمويل، دفع ناصر إلى استرداد حق مصري تاريخي يتمثل في القناة التي حفرها المصريون بسواعدهم بنظام السخرة في عهدي محمد سعيد باشا والخديوي إسماعيل، وسقط منهم أكثر من مئة ألف شهيد على مدى سنوات الحفر. لم يكن هناك سبيل سوى التأميم لتمويل بناء السد. استكثر الغرب على مصر - بما في ذلك البنك الدولي - تنفيذ مثل هذا المشروع العملاق الذي نظر إليه ناصر على أنه نواة نهضة تعزز قوة مصر الاقتصادية وترفع من مستوى معيشة الشعب المصري. وثبت فيما بعد أن السد أعظم مشروع هندسي في القرن العشرين، متجاوزا كافة المشروعات العملاقة في الغرب مثل نفق المانش الذي يربط بين بريطانيا وفرنسا. تفوق على122 مشروعا عملاقاً في العالم لما حققه من فوائد لاغنى عنها. وفر لمصر رصيدها الاستراتيجي في المياه بعد ان كانت مياه فيضانات النيل تذهب سدى في البحر المتوسط، ووفر لها طاقة كهربائية دعمت مشاريع التنمية.
سحب البنك الدولي ومعه بريطانيا والولايات المتحدة عروض تمويل السد العالي. وكانت الدولتان قد أعلنتا في 18 يناير 1955 عن نيتهما تقديم قروض لبناء السد. وبعد 24 ساعة من إعلان لندن وواشنطن سحب عروض تمويل المشروع أعلن الزعيم عبدالناصر في 26يوليو 1956(باسم الشعب المصري) تأميم قناة السويس وعودتها للسيادة المصرية واستخدام مواردها في بناء السد، متعهدا بضمان حرية الملاحة في القناة للجميع، وإنها سوف تستخدم موارد القناة لتمويل بناء السد العالي. كما أعلن عن استعداد مصر لتعويض حملة الأسهم في القناة بموجب سعرها عند الإغلاق يوم التأميم . كان التأميم، ضربة معلم موجعة لرموز الاستعمار في ذلك الوقت ؟ وبالتحديد انجلترا وفرنسا. فكان رد الفعل المبيت بعد أربعة أشهر من قرار التأميم هو العدوان الذي شاركت فيه إسرائيل وبريطانيا وفرنسا.
الدول الثلاث، جمعتها مصلحة مشتركة، وهي الخلاص من الزعيم الخالد جمال عبدالناصر وكسر شوكة مصر وإخضاعها لإرادة الغرب. كانت إسرائيل ترى في تصميم ناصر على تسليح الجيش المصري وتطويره خطرا يهدد وجودها خاصة بعد صفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة قبل عام من العدوان والتي تمت بعد أن رفض الغرب مساعدة المصريين في تحديث جيشهم.
وكانت بريطانيا .. ترى في ناصر الذي أجبر الانجليز على توقيع اتفاقية الجلاء عن مصر، خطراً على مصالحها بسبب مواقفه المناهضة للسياسة البريطانية في المنطقة . اتفاقية الجلاء أنهت الاحتلال البريطاني، اذ نصت على جلاء القوات البريطانية جلاءً تاماً عن الأراضي المصرية خلال فترة عشرين شهراً من تاريخ التوقيع على الاتفاق وانقضاء معاهدة عام1936 وانتقال ملكية جميع المطارات والمنشآت إلى الدولة، وخضوع الفنيين البريطانيين الموجودين خلال فترة الجلاء للقوانين المصرية.
ثم جاء تأميم القناة بمثابة ضربة موجعة لبريطانيا التي كانت تجني أرباحا من إدارتها للقناة. أما فرنسا.. فرأت في التأميم، فرصة للانتقام من عبدالناصر الذي كان يوفر الدعم والمساندة للثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.
العدوان على مصر، بدأ في التاسع والعشرين من أكتوبر 56 عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء- طبقا لخطة المعتدين. فبمقتضاها تبادر إسرائيل باجتياح سيناء والوصول إلى القناة، وهنا تقوم بريطانيا وفرنسا بتوجيه إنذار بالتدخل العسكري بحجة خطورة القتال بين مصر وإسرائيل على الملاحة في القناة. ويطالب الإنذار من الحكومتين المصرية والإسرائيلية الانسحاب إلى مسافة 16 كيلومترا بعيدا عن القناة لإنزال قواتهما حول المنطقة، وإذا ما رفضت مصر ذلك خلال 12 ساعة فإن القوات البريطانية والفرنسية يتم إنزالها في مدينتي بور سعيد والسويس.
رفض عبدالناصر بشموخ وعزة ووطنية الإنذار. ونفذ الانجليز والفرنسيون تهديداتهم، ولم يستسلم ناصر. كان خلفه شعبه وأمته العربية. بل كان الاستسلام في النهاية للمعتدين الذين فشل عدوانهم أمام ضغط المجتمع الدولي وخطورة الإنذار السوفييتي بالتدخل في الصراع، وكذلك الموقف الأميركي الرافض للعدوان، وهو موقف ماكر كان باطنه إزاحة بريطانيا وفرنسا عن منطقة الشرق الأوسط.
الأهم من ذلك هو صلابة زعيم الأمة عبدالناصر الذي رفض الاستسلام، وكان سنده الشعب المصري والأمة العربية التي ضربت المثل في التضامن في زمن كانت فيه الأمة على قلب رجل واحد تتطلع إلى الخلاص من استعمار ظل لسنوات طويلة يفرض إرادته على دول المنطقة.
إضاءة
نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية وثيقة عن خطة اجتياح القوات الإسرائيلية عمق صحراء سيناء عام 1956 والتي رسمها رئيس الأركان الإسرائيلي في ذلك الوقت موشي ديان، فأشارت إلى انعقاد اجتماع تنسيقي بين إسرائيل وفرنسا وبريطانيا جرى في ضاحية سيبر بالعاصمة الفرنسية وذلك قبل أسبوع من بدء العدوان على مصر.
ونقلت الصحيفة عن شيمون بيريز مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية آنذاك قوله انه كان في صحبة ديان، وأن ديفيد بن غوريون رئيس الوزراء تباحث مع الانجليز والفرنسيين بشأن خطة العدوان.
ورسم ديان الخطة العسكرية له. ولعدم توفر خارطة لسيناء اخرج بيريز الورقة التي تغطي علبة السجائر التي كان يدخنها ورسم ديان عليها خارطة سيناء وحدد بثلاثة أسهم مسار تقدم القوات الإسرائيلية الى داخل الاراضى المصرية.
حسن صابر