ظهرت مؤخراً بوادر أزمة في العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل على خلفية عزم البابا بنديكت السادس عشر ترقية البابا بيوس الثاني عشر إلى مرتبة قديس، وهو بابا الفاتيكان خلال الفترة من 1939 ولغاية عام 1958 الذي يتهمه اليهود بالتغاضي عن المجازر التي ارتكبتها النازية بحق اليهود في الحرب العالمية الثانية وامتناعه عن التوقيع على إعلان دول التحالف الذي يدين ما وصفت بأنها جرائم «إبادة لليهود».
وقد تصاعدت حدة الخطاب الإعلامي لدى المسؤولين الإسرائيليين ومسؤولي الفاتيكان في البداية ووصل الأمر إلى تبادل الاتهامات قبل أن يقوم البابا بنديكت السادس عشر بتجميد عملية ترقية البابا بيوس الثاني عشر إلى مرتبة قديس لفترة مؤقتة لتخفيف الضغط الذي مورس عليه من قبل اليهود ومن والاهم في العالم. ولفهم حقيقة الخلاف الحالي بين الكنيسة الكاثوليكية ممثلة بالفاتيكان وإسرائيل، لا بد من إلقاء الضوء على العلاقة التاريخية بين الكنيسة واليهود والتي مرت بالكثير من مراحل التوتر والشك المتبادل إلى أن حصل تحول جوهري في تلك العلاقة في عام 1993 عندما وقعت الفاتيكان وإسرائيل وثيقة اتفاقية أساسية أعقبها تطبيع العلاقات وإقامة علاقات دبلوماسية تطبيقاً لقرار من البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الاعتراف بدولة إسرائيل.
اتسم الموقف الرسمي للفاتيكان بالسلبية نحو اليهود عبر قرون، لاعتبارات لاهوتية أهمها تحميل اليهود مسؤولية صلب المسيح، واضطهادهم للمسيحيين الأوائل، ومقاومتهم نشر المسيحية وتمنعهم من اعتناقها، ومن هنا جاءت ردود الأفعال المسيحية الغاضبة، حين قويت شوكتها في أوروبا تجاه اليهود، والتي لم تخف حدتها، إلى أن جاءت حركة الإصلاح الديني البروتستانتية وقيام إسرائيل ككيان مستقل تحقيقاً لنبوءات توراتية، وهو ما يناقض التعاليم الكاثوليكية الأصلية، التي لا تؤمن بعودة اليهود إلى فلسطين. حيث ساد الاعتقاد بأن التوراة وبحسب طروحات الأب أوغسطين في القرن الخامس الميلادي، إنما تشير إلى اقتراف اليهود لإثمهم الذي طردهم الله عقبه من فلسطين إلى بابل، ومن ثم نفاهم ثانية عند إنكارهم أن عيسى هو المسيح المنتظر، لينتهي بذلك ما يسمى بـ «الأمة اليهودية.»
لقد أبدت الفاتيكان استياءها الشديد تجاه وعد بلفور عام1917، فبعد رحيل الأتراك حماة المقدسات المسيحية في فلسطين، خلفهم الاحتلال البريطاني، الذي سلم التركة من بعده للصهاينة ليعقبه تصريح وايزمان المستفز: «ستصبح فلسطين يهودية، كما أن إنجلترا إنجليزية».
وعلى الرغم من معارضة الفاتيكان للمشروع الصهيوني ومسودة بنود الانتداب البريطاني، التي منحت اليهود امتيازات تتعارض مع ميثاق عصبة الأمم آنذاك، خاصة في مادته 22، التي تجيز لليهود الهيمنة السياسية والاقتصادية على الفلسطينيين، إلا أن الفاتيكان أصرت على التفريق بين المسألة الفلسطينية واضطهاد اليهود في أوروبا، أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث أدانت اللاسامية وقدمت مساعدات لضحايا النازية.
غير أن هذا لا يعني أن قيام كيان عربي في فلسطين أمر كان مرغوباً به هو الآخر في نظر الفاتيكان، ولكن كان يمكن على الأقل احتماله، مقارنة بالكيان اليهودي. فلا تزال العهدة العمرية شاهدة على احترام الحكم الإسلامي لرموز المسيحية وأهلها ومنحهم الأمان، الذي انتهى بحرب عام1967.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من انهيار دول المحور وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى في العالم، وجدت الفاتيكان أن توطيد العلاقة مع أميركا ضرورة لا بد منها، وكذا التخفيف من اللهجة المعادية للصهيونية. أما القيادات الصهيونية فقد دأبت على التقرب من الفاتيكان بتقديم تطمينات مموهة، تؤكد عدم التعارض ما بين الطموحات الصهيونية والمصالح المسيحية العليا والكنيسة الكاثوليكية.
بعد صدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة في عام 1947، ورفضه من قبل العرب، وجد اليهود فرصة سانحة لإقامة دولتهم على أرض فلسطين. ووفق إستراتيجية مدروسة، أجبر الصهاينة الفلسطينيين على النزوح عن وطنهم وصادروا ممتلكاتهم، فأحجمت الفاتيكان عن الاعتراف بإسرائيل، بعد أن هالها تشريد 75% من مسيحيي فلسطين، واصطدام مساعيها الرامية لإعادة اللاجئين.
ولكن، وبوصول الرئيس كنيدي الكاثوليكي إلى البيت الأبيض، يرافقه الأسقف كاشنغ، شديد العداء للشيوعية، وجد في إسرائيل وليس في الإسلام الحليف الطبيعي لأميركا ضد الشيوعية. ومن ثم، أعطت الكاثوليكية الأميركية الشرعية اللاهوتية لإسرائيل، إلا أن عدم اعتراف الفاتيكان الدولي بالقدس عاصمة لإسرائيل بقي على حاله.
ولكن، ونتيجة للنشاط الصهيوني المحموم حصل في أثناء ولاية البابا بولس السادس تبديل صريح لما ورد في الإنجيل، حيث أقر المجمع المسكوني الكاثوليكي عام 1965 وثيقة «تبرئة اليهود من دم المسيح».
أما القفزة التاريخية والسياسية فكانت في عام 1993 بالاعتراف الصريح للبابا يوحنا بولس الثاني بدولة إسرائيل، والتراجع عن الشروط السابقة، كتدويل القدس وعودة اللاجئين. وقد كان هذا القرار متوقعاً، حيث سبقته سلسلة من التمهيدات، كالوثيقة التي صدرت عن اللجنة الفاتيكانية للعلاقات مع اليهودية عام 1985، التي تحض على عبرانية المسيح، وتعليم تاريخ اليهود ودينهم في التعاليم المسيحية، ووصم المسيحيين بالعنصرية والجهل.
وقد وقعت الفاتيكان مع الحكومة الإسرائيلية على اتفاقيات تنص على احترام حرية الأديان من الطرفين والحفاظ على الوضع الراهن في الأماكن المقدسة وحق الكنيسة الكاثوليكية بممارسة نشاطها الديني والثقافي والتعليمي بحرية في الأراضي الفلسطينية الخاضعة لسيطرة إسرائيل، وكذلك الإفراج عن الممتلكات الكنسية المصادرة والسماح للكنيسة بالتملك ورفع القيود عن سفر رجال الدين الكاثوليك العرب إلى إسرائيل وتنقلهم داخل أراضي الضفة الغربية وإسرائيل بحرية وإعفاء الممتلكات الكنسية من الضرائب.
وتحسنت العلاقات كثيراً بين الطرفين بالزيارة التاريخية التي قام بها البابا الراحل يوحنا بولس الثاني إلى الديار المقدسة في عام 2000 بمناسبة الاحتفالات بمرور ألفي عام على ميلاد السيد المسيح.
وأعرب البابا في زيارته تلك عن أسفه العميق لما لحق باليهود على أيدي المسيحيين لعدة قرون، لكنه لم يصل إلى حد توجيه اعتذار عن صمت الكنيسة الكاثوليكية عن جرائم النازية ضد اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، وهو ما كان يأمل الإسرائيليون أن يسمعوه من البابا.
غير أنه ورغم مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على توقيع الاتفاق الأساسي بين الفاتيكان والحكومة الإسرائيلية، إلا أن الأولى تقول إن إسرائيل لم تلتزم بأي من تعهداتها التي نصت عليها الاتفاقية، ولم تقم بالمصادقة على الاتفاقيات العديدة في الكنيست، وهو ما عزاه مبعوث البابا لدى واشنطن الأسقف بيترو سامبي إلى غياب الإرادة السياسية لدى إسرائيل.
ومع اختيار البابا الحالي خلفاً للبابا يوحنا بولس الثاني في عام 2005، وجهت تل أبيب اتهاماً للبابا بنديكت السادس عشر بأنه تعمد إهمال إسرائيل من الدول التي أدان تعرضها للإرهاب في خطاب له. وفي الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف عام 2006، أصدرت الفاتيكان بياناً أدانت فيه العدوان الإسرائيلي على لبنان، وقال وزير خارجيتها السابق الكاردينال أنجيلو سودانو في حينه:
إن حق أي دولة في الدفاع عن نفسها لا يعفيها من احترام مبادئ القانون الدولي، وبخاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين. وبشكل خاص يدين البابا الهجوم على لبنان( في إشارة واضحة إلى إسرائيل وحربها على لبنان). ويعتقد محللون إن هذا الموقف للبابا قد يكون أحد الأسباب وراء الغضب اليهودي منه.
وكانت الأزمة الأخيرة حول نية البابا بنديكت السادس عشر ترقية البابا بيوس إلى مرتبة قديس هي الأحدث، حيث أثارت غضب اليهود إلى درجة قيام موقع انترنت يديره مؤيدون لحزب كاديما الإسرائيلي بعرض صورة مركبة تظهر بابا الفاتيكان الحالي وعلى صدره الصليب النازي المعقوف. وقد سارعت تسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما إلى احتواء الموقف بإصدار تعليماتها بإزالة الصورة من الموقع الذي قال الحزب إنه لا يمثل الموقف الرسمي له وأنه مجرد منتدى عام للأنصار.
وكان الإعلان السابق عن زيارة محتملة يقوم بها بابا الفاتيكان «بنديكيت السادس عشر» إلى إسرائيل قد أثار ضجة وجدلاً كبيرين، وذلك ليس فقط لأن هذه الزيارة تعد تراجعا عن موقف سابق للبابا، الذي صرح من قبل بأن قدمه لن تطأ أرض إسرائيل ما دامت مستمرة في تعليق كتابات تندد بالبابا «بيوس الثاني عشر» داخل النصب التذكاري لضحايا النازية في إسرائيل والمعروف باسم «ياد فاشيم»، وإنما أيضا لمواكبتها دعوى تطويب البابا بيوس قديساً.
من جانبه قال المتحدث الرسمي باسم الفاتيكان فيدريكو لومبردي في تصريحات نقلتها عنه صحيفة «معاريف» الإسرائيلية إن «هناك بالفعل ما هو مكتوب عن شخص البابا بيوس الثاني عشر الذي يثير الشكوك حول شخصيته، لكن هذا ليس السبب وراء امتناع البابا عن زيارة إسرائيل.»
وأضاف أنه «من المعروف أن البابا بنديكيت مشتاق جدا لزيارة الأراضي المقدسة لكن حتى الآن لم يتم الإعداد لتلك الزيارة.»
وبينما يرى عدد من المحللين أن ضغوطا يهودية تمارس لمنع الفاتيكان من تطويب البابا قديسا، فقد تردد في أوساطهم أيضاً أن بابا الفاتيكان «بنديكيت السادس عشر» قد جمد قرار ترقية البابا بيوس الثاني عشر لإرضاء اليهود.
في الوقت نفسه، أكدت مصادر أن الفاتيكان لن يستطيع أن يصرح علانية بوجود ضغوط عليه، حيث اكتفي البابا «بنديكيت» بالحديث عن أعمال البابا بيوس البطولية التي قام بها في صمت، وذلك في احتفال أقيم، مؤخراً، بمناسبة ذكرى وفاته الخمسين.
وبالرغم من مرور نصف قرن على وفاة البابا «بيوس» إلا أنه مازال سببا في توتر وغضب اليهود، الذين يروا أن ملامح تقصيره في حق الشعب اليهودي جلية أمام العالم بأسره.
وهو ما أكدته وزارة الخارجية الإسرائيلية، من خلال تصريح رئيس قسم الإعلام فيها يوسي ليفي بأن «لدى الشعب اليهودي ما يستطيع أن يقوله حول الدور التاريخي للبابا بيوس الثاني عشر».
وكان التليفزيون الإسرائيلي قد تناقل تصريحات الفاتيكان، والتي علق عليها أحد المتخصصين، موضحا أن تلك التصريحات تؤكد رد فعل الفاتيكان على الضغوط المبذولة للحيلولة دون ترقية البابا بيوس إلي قديس، والتي جعلت البابا يستجيب بتجميد الترقية ولكن مع التمسك السابق بموقفه الرافض لزيارة إسرائيل ما لم تتم إزالة ما هو مكتوب عن شخص وأعمال البابا بيوس الثاني عشر من النصب التذكاري، وذلك كمحاولة منه لإرضاء الفاتيكان واليهود في آن واحد.
إضاءة
في يناير من العام 1904، اجتمع الزعيم الصهيوني ثيودور هيرتزل مع البابا بيوس العاشر في روما وطلب منه أن تقدم الكنيسة الكاثوليكية الدعم «لتطلعات اليهود بالعودة إلى وطنهم التقليدي في إسرائيل»، كما ورد على لسانه. رد عليه البابا بصورة صارمة قائلاً: إن اليهود لم يعترفوا بالسيد المسيح، وبالتالي لا يمكننا أن نعترف بالشعب اليهودي.
وهذا الوضع في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية واليهود ظل قائماً طوال 99 عاماً تقريباً إلى أن فتح مؤتمر مدريد للسلام الباب أمام المفاوضات بين الفاتيكان من جهة والحكومة الإسرائيلية من جهة أخرى، لأن الكنيسة ارتأت أن الموانع التي كانت تحول دون تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في طريقها إلى الزوال.
ضرار عمير