دخلت الانتخابات الأميركية مرحلة حاسمة في صراع السباق إلى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض ، ودخلت حسابات المصالح أيضا مرحلة مهمة وبدأت الرؤى تتضح شيئا فشيئا ،من مع من؟ ومن ضد من؟ ومن يخدم مصالحي أكثر ومن يضرها؟، الجميع حزموا أمرهم تقريبا ورغم ذلك لم تزال الرؤية بالنسبة لنا كعرب مشوشة وغير واضحة المعالم وحتى الآن لا نعلم من مع مصالحنا ؟ ومن ضدها ؟.

وفي محاولة لاستشراف ذلك نحاول التعرف من خلال هذا التقرير علي مدي حضور القضايا العربية للانتخابات الأميركية وكيفية تعاطي المتنافسين «أوباما وماكين» لها، ودور العرب الأميركان في هذه الانتخابات، وما إذا كان العرب نجحوا في خلق «لوبي عربي» مؤثر في هذه الانتخابات أم لا؟.

في البداية، أشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وأستاذ القانون الدولي السفير عبد الله الأشعل إلى أن القضايا العربية الرئيسة كلها ممثلة في الحملة الانتخابية للمرشحين في سباق الرئاسة الأميركية باراك أوباما وجون ماكين.

حيث كان الاحتلال الأميركي للعراق في مقدمة الاهتمامات الأميركية ولكن بنظرة مختلفة، ففي الوقت الذي ينظر الشعب الأميركي للوضع في العراق باعتباره مأزقا تسبب في خسائر بشرية كبيرة وتكاليف مالية ضخمة أرهقت الميزانية وزادت من أعباء المواطن الأميركي، ينظر المرشحان للوضع في العراق بكيفية الاستفادة من الوضع هناك ، ودعم المصالح الأميركية والانسحاب من العراق بما يخل بأسباب الذهاب للعراق.

أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فالاثنان يتسابقان على إرضاء إسرائيل وإعطائها الحق المطلق في التصرف كيفما تشاء دون النظر إلى الشرعية الدولية أو إعادة الحقوق لأصحابها أو مراعاة للحقوق الفلسطينية.

إشارات غير ودية

وقال الأشعل : إنه فيما يتعلق بقضية دارفور فقد تحدثا عنها عرضا ولم تكن من القضايا الرئيسية في الحملات الانتخابية حيث إن الإشارات التي وردت لم تكن ودية بالنسبة للسودان بعد أن أخذت منحى حقوق الإنسان، ولم يتحدثوا عن الوضع السياسي أو كيفية الوصول لحلول سياسية للقضية وإلزام الفصائل في دارفور الدخول في مفاوضات سلمية مع الحكومة السودانية لعلاج القضية باعتبارها قضية سياسية وإن استغلت الأزمة للمزايدة على حقوق الإنسان واستخدامها كمادة إعلامية وأداة ترويجية في الحملة الانتخابية ليس إلا.

وأضاف :«أما فيما يتعلق بالأوضاع في لبنان فقد كان الحديث بالنسبة لسوريا وديا ، ويرجع ذلك إلى السياسة الودية والتطمينات الأخيرة التي قدمها النظام السوري للدول الغربية وخاصة فرنسا والولايات المتحدة الأميركية».

ورأى الأشعل أنه من الصعب الحكم على سياسات من يجلس في البيت الأبيض بشكل يقيني من خلال الحملات الانتخابية، ولكن بالمفاضلة بين المتسابقين على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض فإن أوباما يعتبر «أفضل الشرين» على اعتبار أن ماكين يعد امتدادا طبيعيا للرئيس الحالي جورج دبليو بوش.

كما أن التجارب السابقة علمتنا أنه لا يوجد من يلتزم بما يعد به خلال الحملات الانتخابية إلا فيما يتعلق بالشأن الداخلي فقط.

أما بالنسبة للقضايا الخارجية وخاصة القضايا الخلافية ، وعلى سبيل المثال فأوباما أكد خلال الحملة الانتخابية أنه سينسحب من العراق ثم عاد وذكر أن كيفية هذا الانسحاب متروكة لتقدير القيادات العسكرية، وماكين قال: إنه سيتعامل مع الوضع في العراق وفقا لما تقرره المصالح الأميركية ولم يذكر أي منهما مثلا أن قرار الغزو الأميركي للعراق كان أمرا خاطئا ، وإنما أكدا على أنه يمكن استثمار الوضع في العراق بشكل أفضل وبتكلفة أقل.

محاولة لإثبات الوجود

ومن جانبه ، أشار مدير مركز الشرق الأوسط للبحوث والدراسات المستقبلية بجامعة عين شمس الدكتور جمال شقرة إلى أن العرب الموجودين بالولايات المتحدة الأميركية يحاولون إثبات وجودهم وسط التركيبة الاجتماعية في المجتمع الأميركي المشكل من خليط يضم كل ألوان الطيف السياسي.

لافتا إلى أن أهم مظاهر الوجود العربي في الولايات المتحدة الأميركية يتمثل في الشعار المرفوع حاليا «يللا نصوت» وهو يستهدف تحريض العرب الأميركيين على أن يكونوا فاعلين في الانتحابات الأميركية ، وأن يدلوا بأصواتهم في الانتخابات الحالية لمن يتوسمون فيه خيرا.

أو من يعتقدون أنه أقرب إلى مصالحهم من غيره وسيميل ويتعاطف مع قضاياهم على الأقل القضايا الكبرى لذلك يرددون ويلوحون للكتلة العربية في الولايات المتحدة بأن «صوتنا يعادل مستقبلنا». وقال شقرة: «أنا وإن كنت مستريحا للدور النشط الذي تقوم به الجالية العربية في الولايات المتحدة الأميركية وهو دليل على وجود حركة سياسية عربية قد تكون مفيدة بين الجالية العربية.

إلا أنني لا أميل كثيرا للمراهنة على نتائج الانتخابات وأن من يفوز سيقف حتما بجانب الحقوق العربية وذلك لأن الإستراتيجية الأميركية خاصة وفي خطوطها العامة تكاد تكون ثابتة منذ زمن بعيد ولم تتغير ولن تتغير مجاملة للعرب أو حبا فيهم، فالأمر يحكمه ويتحكم فيه المصالح الأميركية وحسابات الأمن القومي الأميركي وعلينا أن نعي ذلك جيدا حتي لا نتمسك بالأوهام من خلال المراهنة على الشخص القادم للبيت الأبيض أيا كان.

مجرد أداة

ومن جانبه ، أشار أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور أحمد ثابت إلى أن العرب وقضاياهم ومشاكلهم بمثابة الحاضر الغائب في سباق الرئاسة الأميركية، فهي حاضرة باعتبارها مجرد وسيلة للمزايدة السياسية وأداة للدعاية الانتخابية لجذب أصوات الناخب الأميركي بغض النظر عن مدى السعي لحل تلك القضايا حلا عادلا يمكن أن يعيد الحقوق لأصحابها وإن تباينت الرؤية والنظرة إلى القضايا العربية من قضية لأخرى وفقا للمصالح الأميركية وجاذبيتها للأصوات الانتخابية.

وقال ثابت: «إنه في الوقت الذي رفع فيه شعار حقوق الإنسان في قضية دارفور والدعوة لمساندة حقوق الانفصاليين الدارفوريين والجنوبيين في السودان أملا في كسب أصوات الأميركيين السود وأتباع الكنائس الأميركية المختلفة، نجد رهان الرئاسة الأميركية على الأصوات في قضية أخرى مثل الصومال يدعو إلى دعم الحكومة الحالية وإرسال قوات دولية وأفريقية إلى البحر الأحمر للقضاء على الانفصاليين والمعارضين والقوات الإسلامية بحجة تحقيق الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي».

وأضاف ثابت: «أن الأزمة العراقية كانت بطبيعة الحال حاضرة في الانتخابات الأميركية نظرا للتورط الأميركي في المستنقع العراقي وتزايد الضغوط الشعبية للانسحاب من العراق نظرا لارتفاع تكاليف فاتورة الغزو العراقي ماليا وبشريا، إلا أنه بطبيعة الحال فإن التناول يتم وفقا لما يحقق المصالح الأميركية بغض النظر عن المصالح العراقية أو العربية.

وكذلك الحال فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فالقضية الفلسطينية في حد ذاتها لا تهم المواطن الأميركي من قريب أو بعيد ولكن أصوات اليهود الأميركان ودعمهم المالي ونفوذهم السياسي وقوتهم التصويتية هو ما يهم المتنافسين على مقعد الرئاسة في البيت البيضاوي، ولذلك فتناول القضية الفلسطينية يأتي دائما ليرسخ ويؤكد إطلاق يد إسرائيل في المنطقة وضمان تفوقها على الدول العربية مجتمعه،«ولا عزاء للعرب».

إضاءة

يقول الدكتور جمال أبو شقرة إن المطالب الرئيسة التي يرفعها العرب الأميركيين للرئيس القادم إلى البيت الأبيض تتمثل في ضرورة تبني الإدارة الأميركية الجديدة لسياسة خارجية عادلة وأن تعمل على تحقيق الأمن والسلام للفلسطينيين واللبنانيين وإنهاء الاحتلال الأميركي للعراق وبسرعة، والتأكيد على ضرورة استمرار الولايات المتحدة الأميركية «الإدارة الجديدة» في مكافحة الإرهاب العالمي وأن تسعى تلك الإدارة إلى تكريس قيم التسامح والأمن واحترام حقوق الإنسان أينما كان.

القاهرة ـ «البيان»