صار (جو السباك) عنوانا للأزمة المالية في الولايات المتحدة، وطغى على حملات المرشحين باراك أوباما وجون ماكين، فكلاهما يقدم جو نموذجا على فشل الخطط الاقتصادية لمنافسه، ومثالا على اقتراب برامجه الاقتصادية من المتضررين .

وجو السباك يمثل الشريحة الأعظم من الأميركيين. وكان قد التقى أوباما خلال احدى جولاته الانتخابية، وأخبره أنه يخشى أن يطور مشروعه الخاص في مجال السباكة بما يزيد عن ربع مليون دولار، كي لا يدفع ضرائب أكثر. ماكين التقط هذا الخيط، وحول جو إلى رمز للنيل من أوباما، مؤكدا ان سياساته وخططه الاقتصادية ستضر بجو وامثاله، في حين أن خططه هو ستكون لصالح جو، لأنه سيخفض ضرائبه على الأميركيين. وهكذا صار جو عنوانا لتبادل الاتهامات على طريقة ( الكلام لك واسمعي يا جاره). فاوباما سعى من جانبه لطمأنة الأميركيين من خلال جو بصوابية برامجه وموقفه في مقابل ضبابية خطط ماكين.

ولم يتوقف المرشحان عند حدود الغمز واللمز عبر جو السباك، وانما امتدت اللكمات لما تحت الحزام ، اذ اتهم ماكين خصمه بأنه (اشتراكي متستر)، وهي تهمة كانت تودي بصاحبها- قبل الأزمة - الى الضياع السياسي. فأوباما ـ في رأي ماكين ـ يحاول انتزاع الثروة من الأغنياء ليضعها في أيدي الفقراء. ومن التمسح بجو السباك الى الاتهام بالاشتراكية تشهد الساحة الانتخابية الأميركية اتهامات متبادلة وتراشقات عنيفة، في ظل استئثار الأزمة الاقتصادية باهتمام الشارع الأميركي، ومن ثم ببرامج وخطط وأحاديث المرشحين.

الأزمة كانت هدية السماء الى أوباما، اذ استغلها في الهجوم على سياسات الجمهوريين الذين ينتمي اليهم خصمه، حيث حملهم مسؤولية الأزمة، متهما ماكين بانه يحاول اجبار دافعي الضرائب على تحمل الفاتورة وحدهم لإنقاذ السوق، من دون وضع خطط حقيقية للإصلاح. لكن ماكين رد الهجوم بأنه رجل قيادي قادر على التصرف السريع خلال الأزمات على عكس اوباما الذي يسعى للحصول مكاسب شخصية.

وعاد اوباما ليعزز موقعه من الأزمة بإطلاق حملة إعلانية ضد ماكين واصفا اياه بانه يتصرف بتهور، ولم يقترب من الأزمة المالية، على الرغم من أنها أفقدت الأميركيين ـ حتى بدايات أكتوبر- نحو سبعمائة وخمسين ألف وظيفة. وبلغت الحملة قمتها، عندما وصف المرشح الديمقراطي الأزمة بأنها تشبه الكساد العظيم في العشرينات والثلاثينات، من حيث ضعف القوانين وحالة الأسواق. واتهم أوباما ماكين بأنه سيسير على درب سياسات بوش الفاشلة التي أدت الى الأزمة العالمية، وعرضت الأمن القومي الأميركي للخطر.

هذه الهجمات المتواصلة أعطت لأوباما تفوفا نوعيا ضد ماكين الذي انحصرت ردوده في شخصنة المنافسة في أطر عرقية ذات نبرة مكارثية، فيما لم تبتعد التراشقات والاتهامات عن الأجواء التي أحاطت بتقديم كلا المرشحين لخططه الرامية إلى علاج الأزمة، إذ بادر أوباما إلى تقديم خطته تحت شعار ( انقاذ الطبقة الوسطى) والتي تتألف من أربع نقاط تمثلت في:

ــ منح مهلة تسعين يوما للمتعسرين عن سداد أقساط المنازل قبل الاستيلاء عليها من جانب البنوك، حتى يتمكنوا من اظهار الجدية في السداد.

ــ تقديم اعفاء ضريبي قدره ثلاثة آلاف دولار لكل وظيفة توفرها الشركات في العامين المقبلين، للحد من البطالة عبر تشجيع الشركات على استحداث الوظائف في الداخل، بدلا من نقلها الى الخارج .

ــ السماح للافراد بسحب مبلغ مالي من الراتب التقاعدي بنحو عشرة آلاف دولار، وبما لايزيد على 15 بالمئة، مع تمتع السحب بالإعفاء من الضريبة ومن الغرامات.

ــ منح الولايات والمناطق تسهيلات ائتمانية تكفل لها الحصول على السيولة المالية اللازمة للخروج من الأزمة، وذلك من خلال تأسيس صندوق اتحادي.

وتحتاج هذه الخطة لتوفير مبلغ ستين مليار دولار، تعهد أوباما بتوفيرها، من اجل مساعدة الأفراد والشركات الذين تضرروا كثيرا من الأزمة. والتزم أيضا بتقديم إعفاءات ضريبية تصل الى نحو مئة وخمسة عشر مليار دولار للأسر التي يقل دخلها السنوي عن ربع مليون دولار. ويحتوي هذا المبلغ نحو خمسة وتسعين بالمئة من العمالة الأميركية، حسب رؤية أوباما.

وفي الجانب الآخر واجه ماكين أوباما برشاقة أضعف، واتهم خطة منافسه بأنها تهدر أموال دافعي الضرائب، وتكلف الاقتصاد الأميركي أموالا طائلة بغير جدوى، مشيرا الى أنه لا يريد من الحكومة أن توزع الأموال على الناس كما يريد أوباما، ولكنه يريد من الناس القيام بذلك فيما بينهم. وأكد انه من أجل ذلك سيسعى الى:

ــ خفض الانفاق الحكومي.

ــ خفض الضرائب من أجل إنعاش الاقتصاد. وتعهد بخفض الضريبة المفروضة على راتب التقاعد للعامين المقبلين، وزيادة الإعفاءات الضريبية للمؤسسات المتأثرة بالأزمة لتصل الى نصف أرباح ضريبة رأس المال.

ــ تخصيص مبلغ ثلاثمائة مليار دولار من السبعمائة مليار- التي خصصت لعلاج الأزمة- لإنقاذ أصحاب المساكن المتعسرين، حيث تقوم الحكومة بشراء القروض العقارية وتحصيلها منهم بفائدة أقل، وذلك لتمكينهم من الاستمرار في السداد.

ــ تقديم إعانات مالية وإعفاءات للمتعطلين عن العمل.

وجاءت المناظرات الثلاث التي تمت بين المرشحين تتويجا لاستحواذ الأزمة المالية على الاهتمام العام. وتجلى التحدي بين المرشحين في المناظرة الأخيرة التي عقدت في جامعة هوفسترا بولاية نيويورك، اذ شملت المناظرة كل أوجه الأزمة الاقتصادية وانعكاساتها المباشرة والمستقبلية على حياة الأميركيين. ومن ذلك كان الموقف من الرعاية الصحية والسياسة الضريبية التي تخوف منها جو السباك، الذي تكرر اسمه مرارا خلال المناظرة، وكذلك موقف أوباما وماكين من الانفاق الحكومي، ومدى إمكانية الاستغناء عن النفط المستورد من الخارج، والموقف من اتفاقات التجارة الحرة التي يراها البعض تؤثر سلبا على الاقتصاد الأميركي.

خلال المناظرة دعا أوباما إلى خفض استهلاك الطاقة، خاصة النفط المستورد من الشرق الأوسط، خلال العقد المقبل. وناشد مصنعي السيارات الاهتمام بإنتاج سيارات تعمل بالطاقة النظيفة من أجل توفير الوقود. وتعهد بخفض الانفاق الحكومي محملا ادارة الرئيس جورج دبليو بوش مسؤولية العجز في الميزانية الحالية. وعبر عن اهتمامه بتوفير التأمين الصحي للعدد الاكبر من المحرومين منه.

أما ماكين فقال إنه قادر على علاج مشكلة العجز في الميزانية، معلنا أنه سيعالج الخلل في استهلاك الطاقة بالتوسع في إنشاء المحطات النووية، لمنع تدفق الأموال الأميركية إلى الدول التي تكرهنا. وأشار صراحة الى دول الشرق الأوسط وفنزويلا. وقال إن على أميركا البحث عن البترول في مياهها الدولية. وأشار الى أنه سيهتم بتدبير الأموال للإنفاق على الصحة بداية من الاهتمام بصحة الأطفال في المدارس.

وتحظى القضية الصحية باهتمام كبير نظرا لعدم توافر التأمين الصحي لما يزيد على أكثر من خمسة وأربعين مليون أميركي. ومن المتوقع ارتفاع الرقم لأكثر من ذلك، إذا ما تدهورت الأوضاع الاقتصادية للأسر الأميركية.

وأمام تصاعد المخاوف داخل أميركا من آثار الأزمة، مالت الكفة ـ حسب استطلاعات الرأي ـ لصالح أوباما، ولمعسكره الديمقراطي عموما. ومن المتوقع أن يحصد الديمقراطيون، اذا ما فاز مرشحهم الرئاسي النسبة الأكبر من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات التي تلي الرئاسية مباشرة. فبعض التقديرات تشير الى أن الديمقراطيين باستطاعتهم الحصول على اثني عشر مقعدا من ستة وعشرين مقعدا يشغلها الجمهوريون في مجلس النواب.

أما في مجلس الشيوخ فان الديمقراطيين سينتزعون نحو تسعة مقاعد من خصومهم. فشعبية الجمهوريين تتراجع على كل المستويات، وليس فقط على صعيد الحملة الرئاسية، بسبب دورهم في الأزمة المالية التي يدفع الناخبون ثمنها، وبسبب الأداء المتراجع لمرشحهم ماكين ونائبته سارة بالين .

إن تطورات المعركة الانتخابية الحالي تعود بالأميركيين إلى شعار (انه الاقتصاد يا غبي)، ذلك الشعار الذي اتخذه الرئيس السابق ببل كلينتون عنوانا عريضا لمعركته ضد الرئيس جورج بوش الأب قبل نحو ستة عشر عاما. وكان أحد اسباب خسارة الأب للانتخابات الرئاسية في نوفمبر 1992.

اليوم يعود الديمقراطيون بالاقتصاد ليتصدر الحملة الانتخابية لمرشحهم باراك أوباما، ويحققون من خلاله بعض نقاط التفوق على خصومهم الجمهوريين، مستغلين السياسات الكارثية التي أدار بها الرئيس جورج بوش الابن فترتي حكمه، حتى وصلت بالبلاد الى حالة فوضى مالية شاملة ضربت اقتصاديات العالم كله.

وفي الوقت الذي يصب الأميركيون سخطهم على سياسات الجمهوريين، فان الذاكرة الوطنية الأميركية تختزن للديمقراطيين ثقة راسخة في المجال الاقتصادي، و يحدوهم الأمل في الخروج بهم من الأزمة المالية الحالية. تلك الأزمة التي يدفع ماكين ثمنها، لانه محسوب على معسكر الرئيس بوش، بعدما كانت كل التوقعات المبدئية للانتخابات ترجح كفته على أوباما.

لقد وجد ملايين الأميركيين الذين عصفت الأزمة بأموالهم ومدخراتهم في جو السباك رمزا لمحنتهم رغم ما ثبت- فيما بعد - من أزمة شخصية تمثيلية. ورأوا في في أوباما صورة المخلص الجديد من الخراب الآتي. اذ تشير التوقعات الى أن معدل النمو السنوي للاقتصاد الأميركي هبط الى19% (سالب)، وهي أدني درجة له منذ عام1975 ، بينما يتجه معدل البطالة إلى الارتفاع، ففي أغسطس وسبتمبر الماضيين ارتفع المعدل الى1,6%، وهو أعلى معدل له منذ يوليو2003.

الى جانب ذلك فان إحصاءات وزارة التجارة الأميركية اشارت مؤخرا أن بناء المنازل وصل الى أدنى معدل له في سبتمبر الماضي، بالمقارنة بما كان عليه الحال عام 1991، وهو ما يعني أن الأزمة المالية ستهز استقرار كل البيوت الاميركية وستؤلمها في عمق حياتها اليومية المضطربة.

إضاءة

جو السباك هو صموئيل وورزبلاشر من بلدة توليدو بولاية أوهايو. ويبلغ من العمر 34 عاما ويعمل بالسباكة منذ 15 عاما. ومنذ لقائه باراك اوباما صار اسمه يتكرر كثيرا على ألسنة الأميركيين ومن خلال الصحف والإذاعات. ويصفه موقع (بي. بي. سي) بأنه أصبح شهيرا جدا ، على موقع محرك البحث جوجل، حيث يأتي في المرتبة السابعة في البحث (من خلال الانجليزية) بين المشاهير. ومن أجل التضامن مع طموحاته أنشأ بعض الأميركيين مجموعات باسمه على موقع (فيس بوك) تحت اسم (انتخبوا جو السباك) أو (تضامنوا مع جو السباك).

المؤسف أنه بعد كل هذه الضجة، تبين فيما بعد أن جو لا يمتلك رخصة للعمل بالسباكة، بل انه يعمل لدى شخص آخر لا يمتلك رخصة بدوره، مما أثر بالتالي على نزاهة حملة ماكين .. ولكنها الانتخابات الأميركية التي لا تخلو من مشاهد وألاعيب هوليودية.

أحمد الكناني