نشرت إحدى الصحف في أميركا اللاتينية رسما كاريكاتيريا يظهر الرئيس الكولومبي ألفارو أوروبي وبجانبه أحد مساعديه يخبره جزعا بآخر المستجدات التي تشهدها البلاد والتي تصدرتها في تلك اللحظة مظاهرات خرج بها الهنود الحمر مطالبين باسترداد أراضيهم ومحتجين على عمليات القتل التي يتعرضون لها على أيدي الجماعات المسلحة. في التعليق المصاحب للرسم يدور الحديث التالي بين الرجلين:
سيدي الرئيس، لدينا في الخارج الآلاف من الهنود الحمر الذين يتظاهرون مطالبين بحقوقهم الموروثة عن أسلافهم من سكان البلاد الأصليين. لا تشغل بالك، سنهتم بالأمر ونتهمهم بتهريب المخدرات والإرهاب، وبذلك نحصل على مبرر لقمعهم.
لم تمض بضعة أيام على تلك الواقعة حتى طالعتنا وسائل الإعلام الكولومبية بخبر آخر عابر للقارات هذه المرة يفيد بأن السلطات الكولومبية ضبطت شبكة للمخدرات وغسيل الأموال في عملية دولية شملت إلقاء القبض على ثلاثة رجال يشتبه في تنسيقهم عمليات تهريب المخدرات وإرسال بعض أرباحهم إلى جماعات مثل حزب الله.
وادعى مكتب النائب العام الكولومبي في بيان له إن أكثر من 100 مشتبه بهم ألقي القبض عليهم في كولومبيا وخارجها بتهم تهريب المخدرات وغسل الأموال لحساب عصابة «نورتي ديل فالي» الكولومبية وميليشيات محظورة تعمل في إطار شبكة تمتد من أميركا الجنوبية إلى آسيا.
على الرغم من نفي حزب الله لهذا الخبر المغرض وتحديدا على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله الذي قال إن هذه المزاعم هي جزء من حملة دعاية ضد حركته السياسية، إلا أنه ما كان بحاجة إلى القيام بذلك من أصله لأن المسألة برمتها لا تستحق حتى الذكر لا سيما إذا علمنا أن الجهات التي تقف وراء تسريب خبر من هذا النوع لم تقم بفعلتها هذه إلا في إطار تعاونها مع واشنطن لتشويه صورة الحزب الذي يقود المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن رمت الخبر في وجه وسائل الإعلام العالمية وراحت تنتظر كرة الثلج لتتدحرج وتكبر عساها تتحول في يوم من ألأيام إلى قضية اتهام ترفع في وجه حزب الله وقت الحاجة.
لكن النظام الكولومبي، الذي يربطه حلف عسكري- أمني متين مع إدارة المحافظين الجدد في البيت الأبيض الأميركي نسي أو تناسى ربما أن هناك من لم ينس في كولومبيا وفي بقية أنحاء العالم تاريخ بلدان أميركا اللاتينية، التي تعتبر غالبية سكانها أن مشكلتها لا بل مأساتها الوحيدة تكمن في وجود الولايات المتحدة عند خاصرتها الشمالية.
ذاكرة شعوب تلك المنطقة، التي ابتليت على مر التاريخ بغزو الرجل الأبيض لأراضيها وبسرقته لثرواتها وأحلامها ومستقبلها،لا تزال غضة طرية ولا تزال تحتفظ بتاريخ حافل بالحروب والمؤامرات التي حاكتها الإدارات الأميركية المتعاقبة لضمان استمرارية سيطرتها على مقدرات منطقة تعتبرها فناءها الخلفي خلسة عن التاريخ والجغرافيا، ذاكرة تحظى بحرص شديد حتى تبقى متقدة كي لا ننسى أن نظاما مثل النظام الكولومبي ما هو إلا دمية بيد وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي إيه» وأنه ما كان ليصل إلى سدة الحكم لولا الدور الوظيفي الذي يقوم به لصالح الشقيق الأكبر القابع على بعد خطوة إلى الشمال.
للتحالف القائم بين نظام أوروبي والسي آي إيه جذور تمتد وتطاول عميقا في تاريخ المنطقة، فالنظام الكولومبي ما هو إلى جزء من مخلفات ما كان يطلق عليه جمهوريات الموز، التي كانت تحكم فيها طبقة محلية «كومبرادورية» مدعومة من شركات أميركية عملاقة ربما تساوي ميزانية واحدة منها ميزانيات عدة بلدان أميركية لاتينية مجتمعة رغم أن تلك الميزانية لم تتشكل إلا على حساب قوت الكادحين من الفلاحين في تلك البلدان.
هذا الحلف الدنيء ظل لسنوات طويلة تحت أمرة جون نيغروبونتي نائب وزيرة الخارجية الأميركية سيئة السمعة والصيت كوندوليزا رايس، فلقد كان الدبلوماسي الأميركي الحالي يلعب دورا من أقذر الأدوار الأمنية على الإطلاق وكان بوسعه تنصيب وإسقاط حكومات ليس في وضح النهار بالطبع وإنما في حلكة الليل وظلمة أروقة المخابرات والأجهزة الأمنية القذرة الملطخة أيديها بدماء شعوب أميركا.