كثير من الكتابات السياسية تحدثت ولا تزال عن دور المؤامرة في الحاضر والتاريخ، وكثير غيرها يعتبر الحديث عن المؤامرة تخاريف تنتجها عقول مريضة. وأيا كان الصواب والخطأ في الرأيين، فالسؤال الأعقد والملح، هل يمكن تصور أن يتحرك العالم بشكل عفوي يفعل فيه كل فرد ما يريد أو تقوم فيه كل حكومة ودولة على التحرك وحدها من دون ضوابط، في ظل عولمة تداخلت في أرواح الدول وأجسادها ببعضها البعض؟ لو طبقنا فرضية التحركات العفوية على ما يجري بالعالم هذه الأيام، فان العقل سوف يستغرب كثيرا ما يجري.

فمن الملاحظ أن الأسواق المالية العالمية تواجه تراجعا يشبه الانهيار قبل وأثناء كل قمة عالمية تهدف للإنقاذ. تكرر ذلك قبل القمة الأوروبية ، ثم تكرر قبل ومع القمة الأوروبية الآسيوية. فهل يمكن اعتبار ما جرى أمرا عفويا؟... ربما.

وإذا نظرنا إلى حال العملات العالمية ، وخاصة الدولار سنجد انه يتقدم أمام اليورو والإسترليني ويتراجع بقوة أمام الين الياباني، وذلك في ذات التوقيت الذي كانت تنعقد فيه القمة، حيث يجلس ممثلو الين إلى جانب ممثلي الإسترليني واليورو. قد يكون التراجع والتقدم مفهوما بحسابات الاقتصاد على أساس أن الاقتصاديات الأوروبية كانت أكثر تأثرا بالسالب من الاقتصاد الياباني.

ولكن بحسابات السياسة يمكن قراءة ما جرى، وفي هذا التوقيت المحدد بعناية، بأنه يهدف إلى تفتيت أية توافقات أو تفاهمات أوروبية وآسيوية تتم على حساب الطرف المتأثر من توحد مواقف الطرفين المجتمعين..

ربما يكون ذلك صحيحا، وربما يكون ما حدث نتاجا لحركة الأسواق. ولو طبقنا أيضا هذه المعادلة أيضا على أسعار النفط، فسوف نجد أن أسعاره توالت في التراجع، رغم صدور قرار منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك خفض إنتاجها بنحو مليون ونصف المليون برميل يوميا. إذ كان من المفترض والمتوقع أن يحدث القرار صدمة في الأسواق، فترتفع الأسعار، لكن هذا لم يحدث.

وجرى العكس . انخفضت الأسعار مع انخفاض الإنتاج. ربما يرد البعض بأن آثار القرار لن تظهر إلا بعد فترة من الزمن. وهذا صحيح حسب قوانين السوق، حيث العرض في مقابل الطلب هما كفتا الميزان.ولكن من يتحكم في العرض ومن يتحكم في الطلب؟

خيوط كل هذه المشاهد تجتمع في يد الشركات المتعددة الجنسية والمؤسسات الاقتصادية الدولية، ومن يحركها، سواء من خلال بورصات المال أو النفط أو الذهب. وليس من المتصور أن هذه المؤسسات والأسواق تخضع فقط لعفوية قوانين السوق، لأن القانون الذي يحكمها هي والعالم كله هو قانون البقاء للأقوى، فهناك من يقف خلف الكواليس ممسكا بخيط العرائس والأستار يحركها يمينا أو يسارا،ليفتح المسرح أو يغلقه، وهو قادر على تدجين القوانين والآليات حيث يريد ويشتهي.

إن القوانين التي تحكم الأسواق هي نتاج خبرات بشرية متواصلة، جاءت بعد أخطاء عفوية ومتعمدة إلى حد الإجرام. وليس هناك ما يمنع تكرارها في أي زمن، ومنها زمننا الجاري، مادام الإنسان موجودا بأطماعه وطموحاته، في منافسات بشرية لا تتوقف.

إذا كانت الأزمة إنتاجا بشريا، فان تطوراتها وتداعياتها أيضا بشرية لصالح البعض وعلى حساب البعض الآخر، وكذلك أيضا حلولها. إننا أمام أطراف دولية تحاول الاستفادة من الأزمة الحالية على طريقة أغنياء الحروب الذين لا يهمهم كم من الأبرياء يموتون ، فكل همهم تجميع الثروات، مهما كانت مبللة بالدماء.

وأغنياء الحروب هؤلاء تزداد قوتهم وثرواتهم بقوة المكانة التي يتمتعون بها، وبالهيمنة التي يفرضونها على العالم. فهم أشبه بالحكومة الخفية التي تدير العالم من عواصم احترفت نهب الثروات قتلا وتدميرا.

إن الأزمة المالية لم تكن مفاجئة، فهناك من استشعر بداياتها، وهناك من عرفها مبكرا، وهناك من شارك في صناعتها وتصديرها إلى العالم، كي لا يتحمل وحده تبعاتها.

وما التخبط الجاري في الأسواق العالمية الآن إلا مظهر من مظاهر توجيه بندقية الأزمة نحو دول بعينها، لاستنزافها كي لا تكون ذات شأن مضاد في يوم من الأيام.

وكي لا تكون ثرواتها الوطنية لها ولشعوبها. فالخسائر المالية التي تعرضت لها معظم دول العالم صبت في النهاية في جيوب أغنياء الحروب، فامتلأت بعدما كانت تشرف على الإفلاس. ومن لا يصدق فليبحث عن كولومبو، وسوف يأتيه بأدلة الاتهام.