بعد مضي عقدين من الزمن على عقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط والذي تمخض عن فتح قنوات تفاوضية بين الدولة العبرية من جهة وكل من سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية من الجهة الأخرى وأكثر من 15 عاما على توقيع اتفاقات أوسلو وقيام سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، يريد القادة الإسرائيليون إقناع القادة العرب من جديد بطي هذه الصفحة بحلوها المعدوم ومرها ضارب الأطناب .

وفتح صفحة جديدة من المفاوضات على أسس جديدة تجب ما قبلها وتلغيه وتمكن الجانب الإسرائيلي من المضي قدما في لعبة كسب الوقت والمراوغة وإطالة عمر الكيان الصهيوني التي لا يجيد غيرها لعلمه أن مشروعه الاستعماري يقوم أولا وأخيرا وما بينهما على فرض نفسه بالقوة.

فلقد قال وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك، مؤخرا، إن القادة الاسرائيليين بصدد مناقشة مبادرة السلام التي طرحتها المملكة العربية السعودية منذ ست سنوات، وسوف يقررون كيفية الرد عليها، فيما أكد الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز قناعته بعدم جدوى المفاوضات المنفردة مع الفلسطينيين داعيا إلى اتفاق سلام إقليمي مع الدول العربية مجتمعة.

مؤكدا أنه من الخطأ إجراء مفاوضات مع السوريين ومفاوضات منفردة مع الفلسطينيين وأنه يتعين على إسرائيل التوقف عن إجراء مفاوضات منفردة والذهاب إلى اتفاق سلام إقليمي مع الدول العربية وجامعة الدول العربية، معللا ذلك بأن إسرائيل تدفع في المفاوضات المنفردة الكثير ولا تحصل إلا على القليل وفي حال إجراء مفاوضات مع العالم العربي بشكل جماعي.

فإنه بالإمكان الحصول على ضمانات والتوصل إلى صفقة شاملة، مضيفا أنه «يجب أن نمد أيادينا إلى الجميع على أساس مبادرة السلام العربية وعدم إهدار طاقة ووقت في مسارات منفردة» ومدعيا أن إسرائيل دفعت ثمنا دوليا للرئيس السوري بشار الأسد دون أن تحصل على أي مقابل في إشارة إلى انفراج العلاقات بين سوريا ودول أوروبية بعد بدء المفاوضات غير المباشرة مع سوريا قبل عدة أشهر.

تصريحات بيريز هذه جاءت بعد أيام من تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك الذي قال فيها إن على إسرائيل بلورة خطة سلام شاملة وعرضها على العالم العربي وبعد أكثر من شهر على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت التي اعتبرت غريبة في نوعها، وقال فيها إن «أرض إسرائيل الكبرى قد انتهت، ولا يوجد أمر كهذا، ومن يتحدث عن ذلك إنما يوهم نفسه وحسب».

مضيفا: «إننا نرفض رؤية الحقيقة، والزمن لا يعمل في صالح إسرائيل، وهذا ليس لأننا لسنا على حق، وإنما لأنه للزمن عواقبه الخاصة بنا». وبالتالي فإنه: «يجب تحقيق السلام بأسرع وقت، وكل يوم يمر دون اتفاق مع الفلسطينيين قد نندم عليه» أضف إلى ذلك اعتذاره عن أعمال وممارسات المستوطنين الوحشية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية.

ترى كم سنة أخرى ستستمر هذه الحلقة المفرغة الجديدة من حلقات سياسة المراوغة والمماطلة الإسرائيلية؟ ومتى سيدرك القيمون على سياسات النظام الرسمي العربي صحة مقولة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مصادر القوة لا تقتصر على القوة العسكرية وإنما تشمل العديد من الشروط التي تتصدرها قوة الإرادة السياسية.

لقد بحت أصوات عدد لا يستهان به من السياسيين والمثقفين والمواطنين العرب وهم يؤكدون على أن التسوية السياسية مع إسرائيل لها متطلبات ونقاط ارتكاز وعناصر شتى لا بد من توفرها لإنجاح أي مسعى بهذا الاتجاه وعلى أن المسألة لا تتعلق في هكذا حالات بالنوايا الحسنة لهذا الطرف أو ذاك.

فليس لهذه النوايا أي محل من الإعراب حتى في السياسات التي تحكم العلاقات الطبيعية بين الدول الطبيعية، فما بالك عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين طرف محتل وآخر يرزح تحت هذا الاحتلال، بين غاصب ومغتصب، بين قاتل وضحية؟.

bassil@albayan.ae