سوف تلقي الأزمة المالية العالمية بظلال كثيفة على اقتصاديات العالم أجمع لفترة طويلة، على أسواق الأموال المختلفة، فمن المتوقع تراجع حجم التجارة العالمية وتأثر السياحة وأسعار النفط وأسعار العملات الأجنبية، وهو ما طرح العديد من التساؤلات حول أسباب الأزمة ونتائجها وانعكاساتها على الاقتصاديات العالمية.
في البداية، أشار أستاذ الاقتصاد بجامعة المنوفية الدكتور سيد طه الى أن الأزمة المالية بدأت في الولايات المتحدة، ثم انسحبت إلى الاقتصاديات الأوروبية واليابان والصين والاقتصاديات العالمية المختلفة ، موضحا أن هذه الأزمة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة :
الأول وهي أن قطاع المقاولات في الولايات المتحدة الاميركية جاذب بطبعه للاستثمار، واستقطب الكثير من الشركات والمستثمرين للاستثمار والعمل في هذا القطاع. ولما كانت هذه الشركات هي شركات مساهمة، فإن أسهمها مطروحة بصفة دائمة للتداول بالبورصة.
أما المحور الثاني، فيتمثل في جمهور المستهلكين لقطاع الإسكان والمقاولات، الباحثين عن مصادر تمويل لمساعدته على إقتناء الوحدات السكنية.
والمحور الثالث يتمثل في القطاع المصرفي المنوط بمنح القروض والتسهيلات الائتمانية، سواء لشركات المقاولات لبناء الوحدات السكنية أو للأفراد للمساهمة في إمتلاك المساكن .
ويوضح أن ما حدث هو أن البنوك الاستثمارية الاميركية توسعت في منح التسهيلات الائتمانية لشركات المقاولات، فكان من نتيجته زيادة المعروض من الوحدات السكنية مما أدى إلى انخفاض أسعار الشقق وانخفاض الربحية للشركات مما دفع حملة الأسهم لبيع ما لديهم من أسهم.
وأدى زيادة المعروض من الأسهم إلى انخفاض قيمة الأسهم وانهيار سوق الأوراق المالية، وعندما حان آجال الاستحقاق للحصول على حقوق البنوك ونظرا لانخفاض الأرباح لشركات المقاولات وارتفاع معدلات البطالة في صفوف المواطنين، أدى ذلك إلى تعثر البنوك والأفراد عن السداد. الأمر الذي أدى إلى تعثر الشركات والأفراد عن الوفاء بالتزاماتهم للبنوك.
ويقول طه : إنه بعد فشل البنوك في استعادة إيداعات المودعين بالإضافة لفقدان الثقة في الجهاز المصرفي الاميركي ووجود مخاوف لدى المواطنين ، فقد أدى إلي انهيار الجهاز المصرفي بشدة مما اضطر الحكومة الاميركية للتدخل لشراء ديون الشركات لدى البنوك وضخ 700 مليار دولار، الأمر الذي من شأنه زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة وارتفاع معدلات التضخم .
ويضيف : أنه تجنبا لذلك لجأت الحكومة الفيدرالية إلى إصدار سندات خزانة حكومية بالقيمة التي تم ضخها. وكان المشترون الأساسيون لهذه السندات المستثمرين الأجانب خاصة المستثمرين العرب ونجحت في نقل الأزمة إلى الخارج وتحميل المستثمرين العرب والأجانب تكاليف الأزمة.
ويشير إلى أن ما تم اتخاذه من إجراءات لمواجهة الأزمة المالية العالمية، والتي أدت إلى انهيار الاقتصاديات العالمية، هي خطوة على الطريق الصحيح بشرط قدرة النظام الرأسمالي على تقليل مظاهر الفساد المالي والإداري وتحقيق الانضباط والرقابة عل الجهاز المصرفي والتي يعتبرها النظام الرأسمالي نوعا من التدخل في حرية السوق ولأنها أمر معارض لفلسفة الرأسمالية.
وعن الدعوة التي صاحبت الأزمة بضرورة وضع أسس جديدة لنظام اقتصادي بديل بعد فشل النظام الرأسمالي والاشتراكي على السواء، أشار أستاذ الاقتصاد بالجامعة الاميركية بالقاهرة الدكتور جلال أمين إلى أن النظم لا تتغير بهذه السهولة، ولكن المطلوب والمنتظر في ظل هذه الأزمة هو إحداث تعديلات مهمة وحاسمة، لافتا الى أن أهم شيء يتوقعه، وبدأ التفكير فيه بالفعل هو اقتراب العالم من إنشاء «حكومة عالمية».
وليس المقصود حكومة بالمعنى المتعارف عليه، وإنما المقصود هو وجود إدارة عالمية للاقتصاد، حيث إنه ليس من المقبول أن يحدث حدث معين في الولايات المتحدة الاميركية، أو أي دولة في العالم ، وتنفرد به الإدارة الاميركية، أو المحلية، ويصاب به العالم كله .
فلابد من أن يكون هناك دور عالمي مشترك، مشيرا الى أن رئيس الوزراء البريطاني براون عبر عن ذلك، كما أنه تم الحديث عن أشياء من هذا القبيل خلال اجتماع وزراء المالية والاقتصاد للدول الصناعية الكبرى والذي عقد خلال الأيام الماضية بالعاصمة الاميركية «واشنطن».
ويطالب أمين أيضا بضرورة إدخال تغييرات وتعديلات جوهرية على نظام صندوق النقد والبنك الدوليين. ويقول: 'ليس من المعقول أن المنظمات التي تم تأسيسها منذ أكثر من 60 عاما تتحكم في النظم الاقتصادية والمالية العالمية بدون تطويرها وتعديلها بالشكل الذي يتناسب مع حجم التغييرات الهائلة التي لحقت بالنظام العالمي اقتصاديا وماليا وسياسيا.
وينفي أمين أن تكون الأزمة الحالية دليل على فشل النظام الرأسمالي أو أن من شأنه اللحاق بقطار النظام الاشتراكي، ويقول:
اظن إن القول بأن الرأسمالية سقطت هو قول غير صحيح والذين يروجون لذلك هم متسرعون، وأنه في أزمات من هذا النوع لابد أن تتدخل الدول، وأنه خلال أزمة ثلاثينات القرن الماضي تدخلت الدول المختلفة لإنقاذ اقتصادياتها المنهارة، ولم تهجر الدول النظم الرأسمالية.
ومن جانبها، أشارت مستشار بنك التمويل المصري- السعودي الدكتورة بسنت فهمي إلى تأثر الجهاز المصرفي العالمي بشكل كبير بالأزمة المالية العالمية الحالية نتيجة عولمة النظم الاقتصادية في إطار فلسفة العولمة التي تحكم العالم حاليا مما سيترتب عليه تأثر مختلف الاقتصاديات العالمية بتلك الأزمة .
موضحة أن الموقف حاليا يستدعي ضرورة عولمة وسائل وطرق الرقابة أيضا ، والعمل على إنشاء هيئات عالمية للرقابة في إطار تلك الفلسفة، فلم يعد مقبولا أن تضع كل دولة نظام رقابي خاص بها بعيدا عن بقية دول العالم.
إضاءة
حول قدرة الدول العربية على لعب دور بارز في وضع وتأسيس وإدارة نظام رقابي فاعل ومشاركة الدول الكبرى في ذلك، تقول الدكتورة بسنت فهمي مستشار بنك التمويل المصري- السعودي: للأسف الدول العشر الكبرى تمتلك 90% من اقتصاديات العالم .
وبقية دول العالم كلها تتحرك اقتصادتها في حدود 10% فقط ، وبالتالي ليس من المنطقى أن نشارك في وضع السياسات الاقتصادية الدولية ، أو نظم الرقابة الدولية فلا يوجد أي وزن نسبي للدول العربية في الاقتصاد العالمي فمشاركتها قدر حجمها وهو ضئيل للغاية.
سباعي إبراهيم