أثارت الأزمة المالية الأخيرة التي لحقت بالاقتصاد الأميركي وامتدت تأثيراتها الى بقية الاقتصادات الدولية الكثير من القضايا المتعلقة بثوابت اقتصادية جرى التعامل معها على أنها أصبحت جزءا من الواقع الذي لا يمكن أن يتغير.
ومن بين القضايا التي حظيت بقدر كبير من الجدل في ظل تطورات هذه الأزمة الحديث عن مستقبل الرأسمالية الغربية وهل وصلت الى نهايتها، أم أن الأزمة لا تعدو كونها أزمة طارئة يمكن أن يتم تجاوزها من خلال مجموعة من الإجراءات التي لا تمثل نيلا من جوهر الرأسمالية؟ لسنا في موضع تقديم رؤية خاصة بشأن هذه القضية وإنما سنحاول من خلال هذا الموضوع تقديم رصد للمظاهر التي فرضت التساؤلات حول مستقبل الرأسمالية واستعراض الطروحات المختلفة التي قدمت في هذا المجال بشأن حدود تأثيراتها على الرأسمالية كمذهب اقتصادي يتبعه الغرب وجرى تسويقه على أنه النموذج الاقتصادي الأمثل خاصة في ظل انهيار الاشتراكية في أعقاب تطورات تداعي الاتحاد السوفييتي.
لقد بدا المشهد الذي نجم عن الأزمة غريبا للكثيرين في ضوء أن العالم لم يكن قد عايشه على ذات النحو منذ أكثر من ثمانين عاما، خاصة لجهة وطأة انعكاساته على نحو أثار الذعر جراء ما ستؤول اليه الأمور في النظام الاقتصادي الدولي.
وفي ذلك فقد تراجعت البورصات الدولية وواصلت على مدى الأيام الأولى للأزمة تراجعها الحاد مدفوعة بتواصل موجة الذعر والتي لم ينجح في تبديدها إعلان أكبر المصارف المركزية خفض معدلات الفائدة الرئيسية نصف نقطة.
وبغض النظر عن المسؤول عما وصلت اليه الأوضاع من تفاقم فقد كان من بين الجوانب التي ألقت بثقلها لجهة الشعور بوطأة الأزمة اعلان قادة العالم وعلى رأسهم بوش أن الاقتصاد الأميركي بل والدولي في خطر وعلى حافة الانهيار، وكذا اعلان رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوسخان عقب اجتماع له بالرئيس الأميركي جورج بوش ووزراء مالية مجموعة السبع والبنك الدولي ان النظام المالي العالمي يقف على شفير «الانهيار الكامل».
حول مستقبل الرأسمالية
وكان من بين الأسباب الأساسية التي أثارت التساؤلات حول وضع الرأسمالية الآليات التي لجأت اليها الإدارة الأميركية للتعاطي مع الأزمة وهي عديدة وفي ذلك الصدد فقد كان من بين الإجراءات الأساسية التي تم اتخاذها على أرض الواقع في تراجع واضح عن الأسس الرأسمالية قيام الحكومة الأميركية بخطوة جوهرية تقضي ب«تأميم جزئي» لتسعة بنوك اميركية.
وهي من أكبر المجموعات المصرفية، بشراء حصص في هذه البنوك بمبلغ 250 مليار دولار، وهي أول دفعة من الميزانية التي رصدت لخطة الإنقاذ التي اقترحتها إدارة الرئيس بوش في وقت سابق واعتمدها الكونغرس بعد إدخال بعض التعديلات.
وفي هذا اشارت وسائل الإعلام الأميركية الى أن وزارة الخزانة لم تطلق على الخطة اسم «التأميم الجزئي» تفادياً لما قد تثيره لفظة «تأميم» من مشاعر في بلد يعتمد نظام السوق الحر. بيد أن الحقيقة حسبما أشارت وسائل الإعلام في معرض متابعة هذه القضية هي أن الولايات المتحدة إنما تجبر تسعة بنوك رئيسية على الموافقة على تأميم جزئي.
وذلك رغم معارضة وزير الخزانة فكرة التأميم، الأمر الذي تراجع عنه في اجتماع مغلق في واشنطن حيث أبلغ رؤساء مجالس إدارات البنوك التسعة أن مشاركتهم في برنامج الحكومة الفيدرالية خطوة جيدة للاقتصاد الوطني».
خطط إنقاذ عاجلة
كما جاءت الخطة الأشمل في هذا الإطار أيضا لتعكس المزيد من تدخل الدولة والتي تتمثل في إقرار مبلغ 700 مليار دولار فيما عرف بخطة الإنقاذ ليعزز هذا الطرح الخاص بالتساؤل حول ما اعتبره البعض ترنحا للرأسمالية.
وتنص «خطة الإنقاذ» على القيام بإدارة صناديق مالية تسمى بالصناديق المتحوطة «ذات نسبة أمان عالية» تقوم بشراء ديون الرهون العقارية المتعثرة والمعدومة من المصارف وباقي المؤسسات المالية لإنقاذ أسواق المال من الانهيار أكثر وتجنب احتمال تعرض الولايات المتحدة لأكبر كارثة ركود اقتصادي منذ كارثة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي.
وأما على الصعيد الأوروبي فقد تم انتهاج إجراءات مماثلة لتلك التي أقدمت عليها الولايات المتحدة، فقد أقرت القمة الأوروبية التي عقدت في باريس الأربعاء قبل الماضي إجراءات تأميم جزئي للمصارف وتقديم ضمانات حكومية لقروضها.
كما تم اتخاذ خطوات مالية مماثلة لتوفير السيولة، ومن ذلك إقرار حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خطة إنقاذ تضمنت تخصيص 80 مليار يورو ( 108 مليارات دولار) كسيولة مالية و 400 مليار يورو كضمانات للقروض. كما اعلنت الحكومة الإسبانية تخصيص نحو مئة مليار يورو ( 134 مليار دولار) كضمان للقروض بين البنوك.
كما أعلن الرئيس نيكولا ساركوزي ان حكومته ستزود البنوك بمبلغ 360 مليار يورو (491 مليار دولار) لمساعدتها على تجنب الانهيار. وفي ذات الإطار أيدت الدول الاوروبية دعوات من فرنسا وبريطانيا امس لإصلاح جذري للنظام المالي العالمي.
وكان من أبرز الدلالات على ذلك دعوة رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون الى اعادة تشكيل صندوق النقد الدولي باعتباره حجر الزاوية في تنظيم السوق العالمية ووضع نظام للإنذار المبكر للاقتصاد العالمي. وفي ذلك قال براون، الذي وضعت خطته لإنقاذ البنوك البريطانية، نموذجا لأوروبا والولايات المتحدة «اذا كنا سنعالج المشكلات المالية العالمية.. فإننا نحتاج لأساليب أفضل للقيام بذلك.
يتعين اعادة تشكيل صندوق النقد الدولي ليفي بأغراض العالم الحديث». وتأكيدا على الدعوة ذاتها دعا الرئيس الألماني هورست كويهلر، الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي، بدوره الى مؤتمر دولي مشابه لمؤتمر بريتون وودز.
«بريتون وودز» جديدة
كما أدت الأزمة الى تصاعد دعوات الى اعادة النظر في أسس النظام الاقتصادي الدولي ومن ذلك دعوة وزير الاقتصاد الإيطالي جوليو تريمونتي الى توسيع مجموعة السبع ولكنه أطلق على المجموعة الجديدة اسم «جي اكس»، اذ أنه حتى هو لا يعلم الشكل الذي يمكن أن تكون عليه. وقال «نقترح الذهاب الى ما هو أبعد من اطار مجموعة السبع لتبني كيان أكبر».
مضيفا أن ايطاليا ستقترح مثل هذا التغيير العام المقبل عندما تتولى رئاسة الدورة الجديدة لمجموعة السبع.
وتتمثل الفكرة في تشكيل مجموعة تمثل الاقتصاد الحديث، لكنها تكون مدمجة بالدرجة الكافية لكي تكون حاسمة في قراراتها. وتعد البرازيل وروسيا والهند والصين من الاسماء التي يجري منذ فترة طويلة مناقشة إضافتها لنادي مجموعة السبع.
غير أنه في معرض تحديد مستقبل النظام الرأسمالي يمكن القول انه رغم وطأة الأزمة المالية الأخيرة التي ألقت بتأثيراتها على مجمل الاقتصاد الأميركي والدولي، إلا أنه قد يكون من قبيل التجاوز الادعاء بانتهاء الرأسمالية، وعلى ذلك فإن الأزمة لا تعدو أن تتجاوز هذا الوصف دون أن تعني انهيارا كاملا للتطبيق الرأسمالي.
وهي في ذلك تتشابه الى حد كبير مع أزمة الكساد الكبير التي زلزلت النظام الرأسمالي في الثلاثينات وتطلب الأمر حربا عالمية لكي يتم تجاوز آثارها. وحسبما ذهب البعض ـ السيد ولد أباه، الشرق الأوسط، هل الرأسمالية في خطر ـ .
فإنه مما لا يدركه الكثيرون أن آليات تركيبة النظام الرأسمالي نفسها قد تغيرت من رأسمالية القرن التاسع عشر التي كانت تتسم بثنائية البورجوازية المالكة لرأس المال والطبقة العاملة المستخدمة فما نشهده اليوم هو تشابك العلاقات الإنتاجية داخل الجسم الاجتماعي الواحد بحيث انمحت خيوط الفصل بين الإنتاج والاستهلاك والمالك والعامل نتيجة للتقنيات الاستثمارية والافتراضية الجديدة وسيولة السوق المالية في الوقت الذي انهارت طبقة الشغيلة نتيجة الانتقال الى نمط الاقتصاد غير المادي.
رهان على المستقبل
ولعل المرونة التي يتسم بها النظام الرأسمالي تتمثل في مجموعة الإجراءات التي تم اتخاذها ويجري العمل على اتخاذها من أجل مواجهة الأزمة. وتكشف السرعة الكبيرة التي تم التعاطي بها مع الأزمة لجهة ضخ المزيد من الأموال لتوفير سيولة في الأسواق، فضلا عن ضخامة الأموال التي تم ضخها، على نحو ما أشرنا، عن هذا الجانب بغض النظر عما يذهب اليه البعض من أن ذلك لن يمثل حلا للأزمة.
باعتبار أنها تتطلب الكثير من الخطوات الأكثر جذرية في ضوء انها تمثل أزمة هيكلية تواجه النظام الرأسمالي. ورغم ما أقر به الكثير من المتخصصين والمفكرين الأميركيين والغربييين بمرور النظام الرأسمالي بأزمة كبرى، إلا أنه قد يكون من المبكر التنبؤ بقرب انهياره. وتبقى الأمور مرهونة بما سيتم اتخاذه من خطوات مقبلة في المستقبل.
الأمر الذي يؤكد أن هناك جهودا مكثفة للإقدام عليها ومن ذلك القمة التي ستعقد الشهر المقبل كقمة أولى في سلسلة قمم حول الوضع الاقتصادي الدولي والتي ستعمل على النظر في استراتيجيات القضاء على أزمة الائتمان العالمية باعتبارها القضية الأولى بالتناول كأحد أبرز مظاهر الأزمة المالية الدولية الجارية.
إضاءة
في معرض تحديد مستقبل النظام الرأسمالي يمكن القول انه رغم وطأة الأزمة المالية الأخيرة التي ألقت بتأثيراتها على مجمل الاقتصاد الأميركي والدولي، إلا أنه قد يكون من قبيل التجاوز الادعاء بانتهاء الرأسمالية.
وعلى ذلك فإن الأزمة لا تعدو أن تتجاوز هذا الوصف دون أن تعني انهيارا كاملا للتطبيق الرأسمالي. وهي في ذلك تتشابه الى حد كبير مع أزمة الكساد الكبير التي زلزلت النظام الرأسمالي في الثلاثينات وتطلب الأمر حربا عالمية لكي يتم تجاوز آثارها.
مصطفى عبد الرازق