ما أن تبدأ الحديث معه حتى تشعر بقوة شخصيته ومدى شغفه للعلم والمعرفة، وما ان تتوغل فيه حتى تدرك حجم ما يحمله من مشاهد وذكريات تؤرخ طفولته، وأيامه التي قضاها بين جبال وبحر قريته.
انه الدكتور محمد الشحي، نائب مدير جامعة السوربون ـ ابو ظبي، الذي ولد في أغسطس عام 1967، بواحدة من العرائش التي انتشرت على سيف البحر، لأب كد كثيرا من أجل أبنائه وأم عشقت بيتها وأسرتها. في ذلك الوقت، ذاق والده وجده من جهة الأم مرارة العيش، حيث اضطروا كغيرهم للسفر إلى الكويت بحثا عن لقمة العيش، ويذكر لنا الدكتور محمد أنهما مثل غيرهم ساهما، في الإمارات، في تأسيس نادي الجير وفريق صوت الخليج الذي فاز بكأس دورة الفيحاء عام 1967.
بداية التعليم
وحول تعليمه يخبرنا الدكتور محمد: لم يكن في منطقتنا سوى مدرستين هما: أحمد بن ماجد للذكور، وإم القرى للبنات، وقد اسستهما الكويت وكانتا تخدمان جميع المنطقة الشمالية لرأس الخيمة. تلقيت حرفي الأول في مدرسة أحمد بن ماجد التي كنا نصل إليها بسيارات لاند روفر تعود ملكيتها إلى المرحوم سيف سليمان وسعيد علاوي وغيرهما، بينما كان اساتذتنا من البحرين والسعودية ومنهم أيوب الجودر، وعبدالله، وفهد.
وبجانب الدراسة كانت مدرستنا تهتم بالنشاطات اللامنهجية، فكان فيها فرقة موسيقية انضممت لها في الرابع الابتدائي، حيث كنت أعزف على الأكورديون واكسيلكون، وعددنا لم يتجاوز ألـ 15 طالباً، وكان يشرف علينا سامي الخولي، كما كان فيها فرقة للمسرح قدمت عديد المسرحيات، من ضمنها مسرحية (الملاك والشيطان) التي أشرف عليها علي الحصان، وشارك فيها سعيد البحار، ومحمد مسعود، وسيود عبدالله، حينها قاموا بتسجيلها في تلفزيون دبي، كما قدموا أيضا مسرحية اجتماعية شاركهم فيها عبدالله عيدان.
وكانت المدرسة تقيم الاحتفالات في مناسبات مختلفة مثل عيد الاتحاد وعيد الأم وغيرها، وأذكر عندما زار المغفور له الشيخ زايد (رحمه الله) منطقتنا عام 1974 بدعوة من أمير المنطقة صالح بن احمد الذي استضافه في مجلسه، أن جميع الاهالي وطلبة المدارس خرجوا لاستقباله، وقد زينت الشوارع والبيوت، حيث أمر (رحمه الله) بإيصال الكهرباء وبناء عيادة وبيوت شعبية.
بعد انهائي للاعدادية عام 1983 ـ 1984 انتقلت إلى مدرسة سعيد بن جبير الثانوية برأس الخيمة التي لم يكن فيها سوى ثلاث مدارس هي سعيد بن جبير الثانوية، وثانوية رأس الخيمة للذكور، ومدرسة الصباحية للبنات، وكنا نضطر يوميا إلى قطع نحو 40 كم بواسطة باص أصفر اللون أميركي الصنع للوصول اليها.
في ثانوية سعيد بن جبير، التي كان يديرها في ذلك الوقت د. محمد المنصور، مستشار سمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، ولي عهد ونائب حاكم رأس الخيمة حالياً، التحقت بالقسم الأدبي وقد حصلت فيه على معدل 6 .86%، وكنت الأول على مستوى مدارس رأس الخيمة أولاد.
التعلق بفرنسا
حبي لفرنسا نبع من تعلقي بلغتها التي كانت مقررة ضمن منهاج القسم الأدبي، واختياري لفرنسا لم يكن عبثيا، فقد كنت اتوقع حاجة الدولة مستقبلا للغة الفرنسية، ولذلك اخترت الدراسة في فرنسا التي سافرت إليها برفقة صديقي محمد سيف هلال بعد حصولنا على منحة دراسية من وزارة التربية والتعليم، وقد شجعنا على هذه الخطوة عبدالله مصبح، الذي كان يدرس الاقتصاد في مدرستنا، ووكيل وزارة التربية والتعليم سابقا.
حينها كنت ورفيقي الوحيدين من بين طلبة الامارات الذين اختاروا فرنسا، بينما اتجه الآخرون نحو اميركا وبريطانيا، وهذا ميزنا عن الآخرين، واعتقد ان دراستنا للغة الفرنسية وتخرجنا من صروح علمية فرنسية بحد ذاته تميز، ليس فقط من ناحية اللغة إنما من ناحية التفكير وصقل الشخصية، خاصة وأن الدراسة بالفرنسية لها طابع مختلف عن الدول الأخرى، وقد أثرت في شخصيتي كثيرا من ناحية حب القراءة والمعرفة والتاريخ بل وتقدير واحترام الإنسان.
سافرنا إلى باريس من مطار دبي في العام 1986، وكان في استقبالنا مندوب سفارتنا، الذي نقلنا بالقطار مباشرة إلى (فيشي) وهي مدينة صغيرة يوجد فيها أفضل معاهد لتعليم اللغة وكانت عاصمة لفرنسا إبان الاحتلال النازي بين 1940 ـ 1944.
في البداية صدمنا الواقع كثيرا، لصعوبة الأوضاع واللغة والتعامل مع المجتمع، ولذلك لم نستمر أكثر من شهرين عدنا بعدهما إلى الإمارات أملا في السفر إلى اميركا. وخوفا من ضياع مستقبلنا الدراسي قمت ورفيقي محمد بالتسجيل في جامعة الامارات، وقد اخترت القانون، وزميلي محمد المحاسبة، وخلال فترة الانتظار كان البحث عن التميز يشدنا نحو فرنسا، واثرنا العودة اليها مع بداية عام 1987 وقبول التحدي رغم انغلاق المجتمع الفرنسي.
ورغم صعوبة السنة الاولى الا اننا استطعنا بقوة ارادتنا المواصلة، وقد تكفلت بنا الدولة التي كانت تصرف لكل واحد منا 6250 فرنكاً فرنسياً شهرياً شاملة لكل شيء عدا مصاريف الدراسة، واذكر حينها ان ايجار الشقة البسيطة كان يتراوح بين 3000 ـ 3500 فرنك.
في البداية كنت ارغب بدراسة العلوم السياسية، ولكن صعوبة اللغة حالت دون ذلك واضطررت لدراستها لمدة عامين، بداتها في معهد (كافيلان) في (فيشي)، وانهيتها في يوليو 1988 في مدينة (بيزونسون) التي انتقلت اليها ورفيقي بهدف مواصلة دراسة اللغة، بعد ذلك توجهنا لدراسة الترجمة لمدة عامين وحصلنا فيها على شهادة الدبلوم، لننتقل بعدها الى مدينة (استراسبورغ) التي يوجد فيها المجلس الأوروبي حاليا، لدراسة الليسانس في الترجمة والعلاقات الدولية وتخرجنا عام 1992.
رد الدّين
بعد عودته الى الوطن التحق بالقوات المسلحة التي ما زال فيها حتى الآن برتبه رائد، لكن رغبته بالتعليم لم تتوقف، يقول د. محمد:
انتسابي للقوات المسلحة حفزني على مواصلة مشواري العلمي، حيث حصلت على شهادة الليسانس في اللغات الحية، وعلى شهادتي ماجستير الأولى كانت عام 1996 في الترجمة، والثانية عام 2001 في القانون والاقتصاد الدولي والتنمية، وحصلت في 2007 على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة (رينيه ديكارت).
وحاليا اخطط للحصول على شهادة دكتوراه ثانيه، وبذلك أكون قد أمضيت 14 عاما في فرنسا، وفضل ذلك يعود الى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايدآل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي شجعني للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، ما خولتني لشغل منصب نائب مدير جامعة السوربون ـ أبو ظبي التي أنشئت عام 2006 بموجب اتفاقية بين حكومتي أبو ظبي وفرنسا.
وأحمد الله كثيرا لقيامي بتمثيل وطني في جامعة السوربون التي أسست عام 1257، واعتبر ذلك جزءاً من رد الدّين لوطني.
مفخرة للامارات
يقول عبدالله علي ثاني، الموظف في وزارة التربية والتعليم عن صديقه الشحي: عصامي استطاع ان يبني نفسه بنفسه، واعتبره مفخرة للامارات فهو من القلائل الذين تخرجوا من جامعات فرنسا العريقة، واعتقد ان اختيار الدولة له لتمثيلها في السوربون انما هو رهان على الشخص المناسب.
ويضيف: من خلال صداقتنا عرفت فيه الانسان، ولمست مدى تعلقه بوالدته التي لا تكف عن الدعاء له، وأجمل ما فيه تعلقه الدائم بقريته الجير وافتخاره بها.
شخصية قوية
أما الدكتور البدر الشاطري، الباحث في القوات المسلحة، فقال: يتمتع الدكتور محمد بميزة تحديد الهدف ووسائل تحقيقه بصورة صحيحة، فضلاً عن انه مثقف ومتعلم، واختياره لفرنسا لم يكن صدفة انما كانت فكرة متميزة، حيث لمس حاجة الدولة للغة الفرنسية التي تأتي بعد الانجليزية، واعتقد ان مهمته لم تكن سهلة وتحتاج الى جهد، اضافة الى التحدي الاكاديمي الذي نجح فيه، وهو يتمتع بشخصية فوق العادة، ولديه علاقات متينه مع الجميع ويتعامل معهم برقة واحترام شديدين.
غسان خروب