أخذ انفجار الأزمة المالية الكاسرة، أكثر من شهر؛ لوقف انهياراته. لكن ليس بالضرورة تداعياته. لا على المدى القريب ولا البعيد. في ضوء حجم الهزّة والكيفية التي اعتمدت في التعاطي معها.
كما في ضوء ما انتهت إليه، حتى الآن، برزت حقيقتان: أن وقوعها كان من الحتميات ولا سبيل إلى ردّها وان تقليل خسائرها وحصر آثارها، نسبياً، كان من الأمور الميسورة؛ لو تمّ التعامل معها بصورة مختلفة.
الذي جرى، أنه لا متطلبات التطويق والهبوط السليم، توفرت. ولا إجراءات الطوارئ المناسبة كانت جاهزة، لاحتواء الصدمة وامتصاص وقعها. لذلك عندما حصلت، كان الثمن الآني باهظاً. كما أن الثمن اللاحق لن يقل كلفة، وفق كافة التقديرات؛ بحكم أن الذيول والمضاعفات، باقية تجرجر؛ على الصعيد الاقتصادي العالمي، حتى إشعار آخر.
لم يعد موضوع جدل أن المأزق الذي بلغه النظام المالي، هو منتج ذاتي مركزي. فقاعة الإقراض، في الولايات المتحدة الأميركية، كانت قد وصلت مع صيف 2007، إلى حدود الورم الخبيث. سياسة تفكيك معظم براغي الضبط والمراقبة، التي كان سبق وأطلقها ريغان في الثمانينات، عمل الثنائي بوش ـ تشيني على ترك الحبل على غاربه، لها. الانتفاخ بلغ مداه.
حتى الرئيس بوش اعترف، ولو بعد مكابرة ومرور شهر على المحنة، بوجود «فساد وتلاعب»؛ في المؤسسات التي تهاوت. وإن كان اعترافه ملتويا وجزئيا؛ إذ انه تجاهل الإشارة إلى مسؤولية السكوت عن تلك التجاوزات.
في حين أن الأرقام الورقية الوهمية، كانت متداولة. تأخر في وضع الاصبع على الجرح، مع أن الأزمة كانت بدأت تطل برأسها. غير أن الإدارة آثرت، يومذاك، طمر الرأس بالرمل. خط الانفلات، من صلب توجهاتها وقناعاتها. وهو يعود في جذوره إلى فلسفة الاستئثار والهيمنة، التي تدين بها.
عندما ضرب الإعصار، واصلت واشنطن التعامل مع التداعيات؛ بنفس النهج. لفّ ودوران وهروب إلى الأمام، ثم القبول المتأخر بما كان مطلوبا العمل به قبل فوات الأوان. لم تعمل بقاعدة استباق التطورات المتلاحقة.
بالعكس، بدت وكأنها تلهث وراءها؛ لتتبنى المعالجات تحت الاضطرار. مشهد حركتها طغى عليه التذبذب والتخبّط؛ الذي انتقلت عدواه، هو الآخر، إلى المسرح الأوروبي. خاصة في الأسابيع الأولى. في بداية الانهيارات، رفضت الإدارة مبدأ التعويم. لكن سرعان ما تراجعت، عندما بدا أن دومينو التهاوي بات يهدّد المتبقي من الصرح.
أيضاً أوضحت بأنها ليست في وارد ضخ سيولة في المصارف التجارية؛ ولا في وارد شراء وتملك حصص مصرفية، مقابل هذا الضخّ؛ بزعم أن في ذلك نوعا من التأميم المرفوض في نظام الاقتصاد الحر.
لم تمرّ سوى بضعة أيام حتى ابتلعت رفضها، تحت ضغط الأزمة. علماً بأنها حرقت أسبوعين ثمينين من الوقت، في إقناع الكونغرس لاعتماد سلّة الـ 700 مليار دولار؛ من أجل شراء الأصول الملوثة، في المؤسسات والمصارف المتعثرة. وفي النهاية عادت عن هذا التوجه نحو خيار حقن السيولة في المصارف.
في البداية، أيضاً، اختار البنك المركزي الأميركي، عدم تخفيض سعر الفائدة؛ ليعود بعد أيام ويقرّر خفضها. وهكذا كان بالنسبة لمسألة توفير ضمان للقروض بين البنوك. تحت ضغط ما يشبه الذوبان في أسعار الأسهم، قبلت بإعادة النظر في هذا البند؛ نظراً لمركزيته في حركة الإقراض؛ وبالتالي في إعادة تنشيط الدورة المالية.
باتخاذها كل هذه الخطوات، بعد الأوان ـ والوقت كان يقاس بالساعة، تسببت واشنطن بمراكمة الخسائر ورفع كلفة الإنقاذ، بالتالي. وبالانقلاب على مواقفها الأولية، تسببت أيضاً، بإشاعة البلبلة؛ كما بهبوط وتآكل الثقة، إلى أدنى حدودها. حتى داخل الولايات المتحدة، نفسها.
وهكذا بين التخبّط، والمكابرة، تمدّدت الأزمة وتكدّست تبعاتها. إدارة الرئيس بوش، كان هاجسها، طوال إدارتها للأزمة، أن لا تتخلى عن فلسفة وسياسة اللا قيود.
فهي لا تطيق الضوابط والمراقبة في هذا الحقل. تماماً كما هي حالها في أمور السياسة الخارجية. الآن جاء وقت صياغة نظام مالي جديد بصمامات أمان ورقابة، على أنقاض مؤسسات الرقابة القديم، صندوق النقد والبنك الدولي واتفاقية بريتون وودز؛ والتي طغت عليها الهيمنة الأميركية.