بفوز الكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لو كليزيو بجائزة نوبل للآداب 2008 تكون الأكاديمية السويدية قد عقدت العزم على تسليط الأضواء على قضايا الشعوب المهمشة حول العالم، فمن المعروف عن الأديب الفرنسي اهتمامه الكبير بقضايا الهنود الحمر واللاجئين الفلسطينيين وسكان الصحراء وثقافاتهم المتنوعة والغنية.

فضلا عن أن القيمين على تركة ألفريد نوبل أرادوا بقرارهم هذا الانفلات من الدائرة النمطية المعتادة التي تغص بالمنظومات القيمية والأخلاقية لحضارات بعينها لتنفتح على نموذج المواطن العالمي الذي يحترم الهويات الجزئية دون السماح لنفسه بالمكوث طويلا ضمن شرانقها المغلقة، التي تهدد نقاء جوهره الإنساني.

وبما أن الحركة الصهيونية لا تؤمن إلا بخرافتها اللاهوتية المنغلقة على نفسها وبأوهام توراتية مغمسة بدماء الفلسطينيين والعرب، فإن فوز لو كليزيو بالجائزة الأدبية المرموقة أثار غضب اللوبي الصهيوني حول العالم عموما وفي أوروبا على وجه الخصوص،لأنه سمح لنفسه وتجرأ على تناول القضية الفلسطينية من منظور أصحابها الحقيقيين من اللاجئين الفلسطينيين عندما كتب (النجمة التائهة)، الذي يعالج فيه الظروف التاريخية التي أدت عام 1948 إلى تشكل مأساة المخيم الفلسطيني.

لم يكن لو كليزيو غافلا عن هذه النقطة عندما تصدى لهذه القضية السياسية الإنسانية الكبرى، لأنه يعلم قبل غيره أن مواطنه الراحل جان جينيه كان قد تعرض للموقف عينه حين شنت الحركة الصهيونية حملة شعواء ضده في جميع أنحاء العالم لأنه تجرأ على مقاربة القضية الفلسطينية من نفس المنظور الذي تصدى له لو كليزيو وعايش الفلسطينيين في مخيماتهم واطلع على معاناتهم عن كثب وآمن بعدالة قضيتهم.

الظروف التي أحاطت بالإعلان عن جائزة نوبل للآداب 2008 لا تخلو من المفارقات اللافتة والدلالات التي تشي بأن شيئا ما يصاحب كل الإعلان عن أسماء الأدباء التقدميين الذين ينالون هذه الجائزة المرموقة ويتخذون من الدولة العبرية والحركة الصهيونية موقفا مغايرا للموقف السائد الداعم لهما في الغرب.

فلقد راجت موجة من الأقاويل والإشاعات حول اختراق لسرية جائزة نوبل في مناسبتين فقط، الأولى كانت عام 1988 عندما تسلم الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو جائزته ويحصل الأمر نفسه الآن مع أديبنا الفرنسي.

الأول لديه موقف تضامني مع الشعب الفلسطيني حمله هو ونظراء له من أبرز أدباء العالم على كسر الحصار الخانق الذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلية على الرئيس الراحل ياسر عرفات في مقر المقاطعة في رام الله، الثاني عبر بقلمه عن الموقف التضامني نفسه وكتب مؤلفه المعروف عن القضية الفلسطينية.

هل هي صدفة أن تثار إشاعات حول تسرب أو تسريب اسمين من الأسماء التقدمية اللامعة التي فاز أصحابها بجائزة نوبل للآداب، الأمر الذي يوحي بحدوث اختراق لسرية جائزة نوبل للآداب في مناسبتين متباعدتين زمانيا ومتماثلتين من حيث المضمون؟

ألا يشي ذلك بوجود أياد قذرة خفية تحاول التشويش على الجوهر الإنساني لكتابات وتوجهات هذين الأديبين وغيرهما من كتاب العالم التقدميين، الذين لا يزالون صامدين ولم ينحنوا أمام محاولات الدوائر الرجعية والصهيونية العالمية التي لا تتوقف لشراء ذمم هذه النخبة من المثقفين وتوظيف أقلامهم في خدمة مشاريعها الدنيئة، في حرب لا هوادة فيها.

وجوه الغرابة والاستهجان لا تتوقف عند هذا الحد، بل إنها تمتد لتطال الدور الخجول والباهت لوسائل الإعلام العربية الرسمية وغير الرسمية في الوقوف مع حالات من هذا النوع لا سيما وأن أبطالها لا يهاجمون من قبل الحركة الصهيونية إلا بسبب مواقفهم المنصفة للقضايا العربية عموما والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، مع العلم أن الحركة الصهيونية نفسها تواقة وعلى استعداد تام لدفع الغالي والرخيص لقلب آراء هؤلاء الكتاب.

في حين تقف الدوائر المعنية في العالم العربي على الحياد وكأن الأمر لا يعنيها لا من قريب ولا بعيد، إلى درجة أننا كنا نتمنى أن نرى عنوانا واحدا بالخط العريض في أي صحيفة عربية يبرز فوز جان ماري غوستاف لو كليزيو بهذه الجائزة، التي تأتي قيمتها الأولى من كونها تعد أحد أهم المنابر الإعلامية في العالم.

bassil@albayan.ae