يحتفظ إبراهيم صالح بأكثر ذكرياته وأطولها زمنا في مصر، يقول: قضيت 4 سنوات خلال الدراسة في مصر وأحرص على التردد عليها على فترات متقاربة، وكنت أسكن العاصمة القاهرة، غير أنني زرت فيها أماكن ومحافظات كثيرة، وكنت أعيش أولى سنواتي في حي المنيل نظرا لقربه الجغرافي من جامعة القاهرة حيث أدرس بكلية التجارة.. وكان هذا الحي في ذلك الوقت أحد أهدأ أحياء القاهرة، ولا يسعني إلا أن أطلق على هذه الفترة تسمية (الزمن الجميل).

وفي العام التالي انتقلت للإقامة في حي الدقي، وجمعتني الدراسة في مصر بأقران كنا ندرس سويا وننظم الرحلات السياحية إلى ربوع الريف المصري والشواطئ الجميلة، وهؤلاء الزملاء حاليا يشغلون مناصب قيادية، بعضهم من مصر والآخرين من الإمارات، وحرصنا خلال الأجازات القصيرة من الدراسة على اختيار مكان مختلف في كل أجازة للاستمتاع به وخلال هذه الفترة زرت منطقة الفيوم وهي تعتبر واحة خضراء في وسط الصحراء، وبها عدد من المزارات السياحية المهمة على رأسها بحيرة قارون الشهيرة، وزرت أيضا الإسكندرية حيث كنا نحرص على قضاء أجازة نهاية الأسبوع على شاطئها الساحر، وكانت تمتاز هذه الحقبة الزمنية بتوافر الفرص السياحية مع قلة أعداد السائحين ورواد الشواطئ في تلك الفترة وعدم وجود أي ازدحامات سواء في الطرق أو الخدمات.

ولم ينحصر اهتمامي في الأماكن الترفيهية، بل كنت أحرص على زيارة الأماكن التاريخية والتراثية، وكان التجول الحر في منطقة الأهرامات بالجيزة يستهويني إلى حد كبير، وقضيت أوقاتا طويلة أتأمل الحضارة الموغلة في العمق، التي استطاعت تشييد هذه الأبنية الهائلة بهذه البراعة الهندسية رغم عدم توافر الإمكانات التقنية في ذلك الوقت واستولت المتاحف على اهتمامي عندما عشت في مصر، خاصة المتحف المصري الموجود في ميدان التحرير بالقاهرة، واعتبره من المتاحف الاستثنائية على مستوى العالم نظرا لتصنيفه الممتاز للمعروضات وسهولة التعرف على مقتنياته المفهرسة حسب الحقب الزمنية المختلفة الأقدم فالأحدث، علاوة على موقعه في قلب المدينة، زرت أيضا قصر عابدين، وقصر المنتزه بالإسكندرية، وقصر محمد علي الذي يضم قسما من مقتنياته لا تزال معروضة للجمهور حتى الآن، وشعرت بمدى عراقة وقدم التاريخ المصري الذي يمتد عبر 7 آلاف عام.

وتزخر القاهرة القديمة بمجموعة كبيرة من الأحياء التاريخية التي عاصرت فترات مهمة من التاريخ في حقب متنوعة، ومازالت هذه الأحياء تحتفظ بطابعها التاريخي لدرجة أنك تشك أن مئات السنوات مرت عليها.. ومن الممتع ـ كما يضيف إبراهيم صالح ـ التجول الحر في هذه المناطق ومشاهدة الآثار الباقية منها على الطبيعة مثل سور مجرى العيون في حي مصر القديمة ومسجد محمد علي في حي القلعة، وغيرها وأعتقد أن تيار الحداثة بدأ أثره واضحا حيث زحفت المدن الجديدة واتخذت الطابع الحديث وغلبت بطرزها المعمارية وبعادات سكانها على الأحياء القديمة.. فكل الأحياء الحديثة صممت على أسس هندسية تحرص على وجود مساحات خدمية مابين البنايات، واتساعات كبيرة للشوارع، وبالتالي تباعدت المسافات البينية بين السكان الذين يعيشون الحي الواحد، بل بين من يعيشون نفس المنزل.

فمن النادر أن يعرف الجيران بعضهم البعض، وكانت الأحياء القديمة خلقت نوعا من الحميمية بين سكان الشارع، لأنهم يعيشون في (زقاق) وهو شارع ضيق قد لا يزيد عرضه على المترين، يعرفون بعضهم البعض بالاسم ويحرصون على تبادل الخدمات والمشورة، وإن لم يجمعهم المقهى في المساء تجمعهم صلاة الفجر، وكان جزار الحي يعرف كل السكان ليس من الضرورة بصفتهم من زبائنه.

ولكن بسبب علاقة الجوار، ولا عجب أن يتبادل هؤلاء الناس التحية، فأواصر الجيرة تربطهم ربما بأقوى من أواصر القرابة. وينقلنا صالح من مصر إلى الهند صاحبة الحضارات واللغات والديانات المتعددة حيث عاش في مدينة مومباي (بومباي سابقا) ويقول انها من أكبر المدن الهندية وتعتبر العاصمة التجارية، ويشير إلى أن بعض الخليجيين يزورها لقضاء الأجازات على شواطئها الجميلة حيث انها مصيف رائع.

وعلى الرغم من التشابه الكبير ما بين القاهرة ومومباي في الزحام والنشاط التجاري والإقبال السياحي، إلا أن فرقا جوهريا يلاحظه من يعيش في المدينتين، فلا تجد في مومباي نفس روح الألفة والترحاب التي تجدها في القاهرة، وربما تلعب عوامل التواصل الاجتماعي ـ مثل اللغة ـ دورا.

وربما يكون السبب أيضا هو التنوع في الديانات والطبائع، فهناك مثلا قد يعتنق سكان نفس الحي ديانات مختلفة، وقد يتحدثون، رغم قربهم المكاني، عدة لغات مختلفة. وإلى ألمانيا حيث يذكر إبراهيم صالح موقفا حدث في مطار ميونيخ عندما استوقفه ضابط الجوازات لدى خروجه بعد زيارة لألمانيا استمرت عشرين يوما، وأحيل إلى لجنة التحقيق بسبب تجاوز مدة التأشيرة الممنوحة له.

وهناك اكتشف أن مدة التأشيرة شهرا يبدأ من تاريخ الإصدار وليس من تاريخ دخول البلاد، وكانت مدة التجاوز 6 ساعات ليس أكثر، ومع هذا أصرت السلطات الألمانية على تحصيل غرامة تصالح تجاوزت الـ 5000 درهم، وكانت المشكلة الأكبر أن جميع العاملين في المطار لا يتحدثون الإنجليزية، واستغرق البحث عن شخص يجيدها للتفاهم معي وقتا طويلا، وفي النهاية سددت الغرامة وغادرت.

وفي جنوب أفريقيا ذهبت ضمن مجموعة من السائحين إلى منطقة سفاري لها طبيعة الغابات المفتوحة، وكان موقع الفندق في منتصف الغابات، وكانت الفكرة ذاتها تنطوي على جانب كبير من المغامرة، حتى أن حركة النزلاء من الغرف إلى مدخل الفندق تستلزم طلب حارس شخصي مسلح تحسبا لأي هجوم ضار من الحيوانات المفترسة التي تعج بها المنطقة.

وكانت رحلات السفاري تخرج من الفندق مرتان يوميا، قبل شروق الشمس وقبل الغروب، وكانت تستهدف مشاهدة الحيوانات عند خروجها وعند عودتها لأماكن معيشتها، وهي مناظر طبيعية خلابة تنال إعجابك من أول نظرة وفيها تظهر لك الجمال الحقيقي للبحيرات والأشجار.

غير أننا فوجئنا يوما عندما اصطحبنا الحارس لتناول وجبة الغداء بوجود دماء غزيرة على الأرض بالقرب من مدخل المطعم.. وتوقعنا مكروها حدث لأحد النزلاء أو العاملين، إلا أن الحارس طمأننا قائلا أن الأسد افترس غزالة هنا منذ لحظات !!

ويذكر صالح أن المتعة الحقيقية للسفر والرحلات هي كم التحديات والصعوبات والمخاطرة التي قد يصادفها المسافر، فإذا لم يغامر في أية مرحلة فلا متعة في الرحلة، أيضا المواقف الطريفة لها دور في إضفاء البهجة على طابع السفر.. يقول: قضينا في جزيرة سيشل 7 أيام ضمن إحدى رحلات شركة متخصصة في الرحلات البحرية لمشاهدة الدلافين.

وكان البرنامج يتضمن رحلة بالسفينة لعدد كبير من السائحين من الميناء إلى عرض البحر لمشاهدة هذه الحيوانات وهي تؤدي حركاتها التقافزية فوق الأمواج، وكان هذا هو هدفنا الرئيسي من الرحلة، ولكن جاءت الريح بما لا تشتهي السفن، فقد خرجت الرحلات مرتين إلى عرض البحر دون أن يظهر في الماء دولفين واحد!!

تضمنت رحلات إبراهيم صالح كلا من استراليا وأميركا وكندا وجميع الدول الأوروبية، وفي أسبانيا تشعر - والكلام لا يزال على لسانه - بالحضارة الإسلامية لا تزال تعيش هناك حتى وقتنا هذا، يظهر ذلك في الزخارف الإسلامية التي تبدو ظاهرة في المساجد والمباني التراثية في غرناطة وغيرها من المدن التي عاصرت المسلمين، ومن اللافت أن أهل أسبانيا يعتزون بالحضارة الإسلامية ويحافظون على مظاهرها، ولا نبالغ إن قلنا أن الإسلام أثر على طبائعهم.

إضاءة

يشير إبراهيم صالح إلى انتشار المزارات المتعددة في إيران ما بين دينية أو ثقافية، ووجد نفسه مشدودا لزيارة مرقد الشاعر الفارسي الكبير عمر الخيام باعتباره أحد أشهر الشعراء في القرن العشرين، ومعظم المفكرين والفلاسفة لهم هناك مزارات معروفة، وحرص خلال رحلته لإيران على زيارة معظم هذه المزارات ومطالعة تاريخ أصحابها وإنجازاتهم الثقافية على مر التاريخ.

أيمن حجازي