الأميركيون يبحثون دائما عن بطل فوق العادة .. «سوبرمان» يقوم بأعمال مثيرة وخارقة، خاصة في أيام المحن. ولأنهم يعيشون الآن محنة الحروب التي فجرها الرئيس جورج بوش «الابن»، فإنهم يتطلعون إلى شخصية يتوافر فيها ولو الحد الأدنى من البطولة، ليبهرهم ببطولاته حتى لو كان ذلك بعيدا عن الواقع.
وجدوا ضالتهم في الجنرال ديفيد بتريوس الذي تولى قيادة القوات الأميركية في العراق منذ فبراير العام الماضي حتى أسابيع مضت ليخلفه نائبه السابق الجنرال ريموند أوديرنو. 19 شهرا قضاها بتريوس فوق أرض الرافدين، اختير بعدها قائدا للقيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن منطقة شاسعة تمتد من كينيا في أفريقيا الى كازاخستان في آسيا الوسطى، أي تشمل الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشرق افريقيا.
هذا الجنرال الذي ترتسم على وجهه ملامح الجدية والاستقامة الممزوجة بالهدوء، جعله الأميركيون بطلا قوميا، بل وصار عدد المعجبين به يفوق عدد نجوم هوليوود وعلى رأسهم الممثلة المعروفة أنجلينا جولي. وقالت صحيفة التايمز البريطانية مؤخرا، ان بتريوس يتفوق على أنجلينا الجميلة في قدرته على الاستحواذ على إعجاب الأميركيين.
هذه الشعبية، يبررها الأميركيون بقولهم ان بتريوس بعد خمس سنوات من غزو العراق، استطاع أن يخفض العنف في بلاد الرافدين لمستويات لم تشهدها البلاد وانه ترك وراءه عرافا مختلفا عما كان عليه قبل قيادته للقوات هناك. أي جعلوه بطلا والعراق لم تضمد جراحه بعد، فلا البلاد استقرت أوضاعها الأمنية ولا شعب الرافدين الصابر تحسنت أوضاعه المعيشية.
وللحق فالرجل - أي بتريوس- لا يكذب ولا يتجمل في حديثه عن أوضاع العراق حتى آخر يوم في وجوده هناك. اعترف بأن المكاسب الأمنية قد تكون هشة ويمكن أن تتلاشى. كما أظهر - كما يقول المعلق دين ييتس في تحليل لوكالة رويترز - مهارة إعلامية اذ لم يسمح أبدا بأن يستدرج إلى توقعات مفرطة في التفاؤل عندما كانت الإحصاءات تظهر أن العنف تراجع بشدة. وحتى في الوقت الحالي يقول مرارا انه لن تكون هناك «رقصة نصر» في العراق.
ولكن يحسب لهذا الجنرال أنه عندما تولى القيادة في العراق كانت البلاد على حافة حرب أهلية شاملة، وكانت تفجيرات السيارات الملغومة تقع في بغداد كل يوم، منها 42 تفجيرا خلال الشهر الذي تولى فيه منصبه. ولكن ما أن صار قائدا للقوات، حتى طبق استراتيجية عسكرية جديدة مدعومة ب30 ألف جندي أميركي إضافي ساعدت من وجهة نظر الأميركيين- في إبعاد شبح الحرب عن العراق.
أول ما فعله، هو نقل القوات من قواعدها الكبرى المحصنة الى مراكز التجمعات السكانية في بغداد حيث كانت تقع تفجيرات السيارات الملغومة وكانت فرق الموت الطائفية تجوب الشوارع بحرية كاملة. وكان بتريوس يقوم بتفقد ساحة المعارك بانتظام ليكون قريبا من جنوده، يتحدث إليهم ويتعرف على آرائهم في كيفية توجيه دفة الحرب.
وكان يقول «لا يمكنك تأمين الناس وأنت لا تعيش معهم». وفي بداية تنفيذ الخطة، تكبد الأميركيون خسائر كبيرة من ابريل إلى يونيو 2007 اذ قتل أكثر من 330 جنديا أميركيا لتصبح أكثر الفترات دموية في الحرب، ولكن انخفض عدد القتلى مع نشر القوات الإضافية.
بتريوس يعترف بأن كثيرا من المهام التي لم تنجز، والمكاسب الأمنية التي تحققت مؤخرا يمكن أن تضيع. باختصار يستبعد بتريوس رقصة النصر في العراق، فمازالت بلاده كما يقر تواجه ظروفا صعبة في أرض الرافدين.
إضاءة
الجنرال بتريوس ولد في نيويورك عام 1952 لوالدين من أصول هولندية وكان والده يعمل بحارا. تخرج عام 1974 في الأكاديمية العسكرية الأميركية المشهورة «ويست بوينت». حصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة برنستون وعمل أستاذا مساعداً في الأكاديمية العسكرية الأميركية كما أنه زميل في جامعة جورج واشنطن.
تولى مناصب قيادية في قوات المظليين الآلية والمشاة الجوية الهجومية في أوروبا والشرق الأوسط والولايات المتحدة. قاد الفرقة 101 المحمولة جوا في الغزو مع بداية الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
حسن صابر