بابل .. المدينة المعلقة بين الحلم والواقع ، التي عبثت بها أعمال السلب والنهب والدبابات والجنود، سبق ان وصفها المؤرخ الإغريقي هيرودوت بأنها (تتجاوز في عظمتها أكثر مدن العالم)، المعروف آنذاك، ووصفها النبي آرميا بأنها «كأس ذهبية أسكرت كل الأرض».
بابل اليوم تحاول النهوض من تحت الركام، وتطمح أن تعود موقعا سياحيا عالميا يلفت الانتباه، بما يمتلك من ماض عريق. وتقول مديرة آثار بابل الدكتورة مريم عمران «إن مدينة بابل أعيد بناؤها في عهد نبوخذ نصر 605-563 ق.م، فأصبحت أوسع وأجمل وأكثر رخاء من أية مدينة أخرى».
كان الفرات ينساب فيها من الشمال إلى الجنوب ، وهي محاطة بخندق وسورين، الخارجي طوله 16 كم، والداخلي 8 كم ، وفيها شبكة من الشوارع المستقيمة العريضة المعبدة بالآجر والقار.. يشاهد منها شارع الموكب الذي يمر ببوابة عشتار، وينتهي حيث كان البرج المدرج «الزقورة».
وعلى الجانب الغربي لهذا الشارع تقع بقايا القصر الجنوبي 190؟300م الذي يتكون من خمس باحات، كل منها وسط مجموعة من الحجرات والصالات، ومن ضمنها قاعة العرش 1650م التي كانت مزينة بصور ملونة، وداخل القصر بقايا القصر الرئيسي الذي لا يزال أسد بابل يشاهد فيها، وعلى الجهة الشرقية لشارع الموكب يشاهد معبد ايماخ الذي أعيد بناؤه».
اقتلاع آجر المباني
وتشير الدكتورة مريم إلى ان الكثير من آجر المباني القديمة اقتلع لبناء مدن جديدة، خلال الألفي سنة الأخيرة، ولم يبق من هذه المباني بصورة عامة سوى الأقسام السفلية من جدرانها، وهي معرضة للتلف والانهيار بسبب الأملاح ، وقد حاولت الجهات العراقية المختصة القيام بأعمال الصيانة والترميمات لعدد من الآثار المتضررة، لكن اغلب تلك المحاولات لم يحالفها النجاح.
وحسب المستشار والباحث في دائرة آثار بابل فلاح عبد الهادي الجباوي :«في عام 1986 جاء وفد من منظمة اليونسكو لفحص المدينة قبل عقد مهرجانها الدولي، فلاحظ كثرة الأخطاء التي حدثت أثناء أعمال الصيانة، وسوء المواد المستخدمة، وأخطاء في القياسات ، وعدم مطابقتها للأسس الصحيحة للصيانة الأثرية العلمية، فقرر رفع هذا الموقع الأثري المهم من سجلات اليونسكو».
ونقلت شبكة «العراق الآن» عن الجباوي قوله :«ان النظام السابق أعلن ان لديه الإمكانيات العلمية والمادية للقيام بأعمال الصيانة ولا يحتاج إلى استشارة منظمة اليونسكو، الأمر الذي أغضب القائمين على المنظمة آنذاك»، فيما دعا الجباوي لـ «إعادة بابل إلى اليونسكو والتعاون معها من أجل وضعها في واجهة العالم كأفضل موقع أثري».
ويشدد على ضرورة «ترك تلك المهمة بأيدي المختصين، وعدم تدخل الدولة، أو إدارة المحافظة، إلا عبر الخطط الموضوعة من قبل الهيئة العامة للآثار والتراث، وإقامة ندوة وطنية في أروقة الهيئة العامة للآثار والتراث، واستضافة اليونسكو وآثاريين من كل أنحاء العالم، لتكون مقررات الندوة هي خطة العمل الأساسية للمشروع حتى لا يتكرر الخطأ السابق ولكي يكونوا شاهدا عن كل طابوقة توضع ، وعلى كل معول يحفر».
سلب ونهب
ولكن مهمة أي فريق مختص جديد ليست سهلة إطلاقا ، كما هي ليست سهلة على المسؤولين المشرفين على وضع الخطط وتنفيذها، فالمدينة تعرضت في أحداث عام 2003 إلى أعمال السلب والنهب ، وأحرقت مكتبتها التي تحتوي على مجموعة من التقارير التنقيبية لكل مواقع المدينة، وثمة مشكلة أخرى هي أن القوات متعددة الجنسية شيدت مطارا لها فوق موقع أثري مهم لم يتم التنقيب فيه، وذلك في الجزء الواقع وسط المدينة.
وتقول مديرة آثار بابل الدكتورة مريم عمران «إن اختيار مدينة بابل الأثرية موقعا عسكريا كان خطأ كبيرا ارتكبته الإدارة الأميركية، إذ اقتطعت مساحات واسعة لإيواء الجنود والعجلات الثقيلة والخفيفة، كما أن إقامة مطاعم ومطارات زادت من حجم التجاوزات والأضرار»، مشيرة إلى أن «الموقع الذي اتخذته القوات الأميركية هو نفسه الذي اتخذه البابليون موضعا دفاعيا، استنادا الى هيرودوت، حيث يشكل نهر الفرات عارضا دفاعيا طبيعيا من جهة الغرب».
ويؤكد الباحث فلاح عبد الهادي الجباوي أن «الأضرار والتجاوزات التي سببها تواجد القوات الأميركية والبولندية في بابل معروفة وموثقة من قبل الآثاريين لحظة وقوعها، وهي مثبتة في تقرير موجود الآن في الهيئة العامة للآثار والتراث».
أما رئيس هيئة الاستثمار في بابل علاء حربة فيقول إن «محافظة بابل تمتلك فرصا سياحية لا تمتلكها باقي المحافظات لأنها تشغل موقعا مركزيا، وهي بوابة لست محافظات، مساحتها 5000 كم مربع، يسكنها مليون ومئتا ألف نسمة، وتتمتع بطرق جيدة وجامعة كبيرة ومؤسسات تعليمية»، مؤكدا أن «كل هذه الميزات تجعلنا متفائلين بجاذبية الاستثمار».
ويضيف حربة «إن قانون الاستثمار وفر عدة تسهيلات للمستثمر وأعطى له الحرية في إدخال معداته وآلياته وكل متطلبات المشروع، دون دفع أي رسوم جمركية، فضلا عن حرية نقل أمواله من أرباح أو رأسمال إلى خارج العراق، وتحويل عملته كيفما يشاء».
ويأمل رئيس هيئة الاستثمار في بابل أن «تقوم الشركات العربية والأوروبية باستثمار عدد من المواقع في مدينة بابل الأثرية ، وتحويلها إلى متحف ومنتجع سياحي». وتقع بابل الأثرية على بعد مسافة 90 كم إلى الجنوب من بغداد، واسمها محرف من «باب أيلي» الذي يعني باب الإله، ومن ملوكها حمورابي ثم الإسكندر المقدوني الذي اتخذها عاصمة لإمبراطوريته.
حتى قيل إنه توفي فيها عام 322 ق.م، وتردد اسمها في كتب المؤرخين والرحالة الذين وصفوا قصورها ومعابدها وسعتها، حتى ضربت الأمثال بجمال أبنيتها، وحين عدد المؤرخون اليونانيون والرومان عجائب الدنيا السبع آنذاك، ذكروا بابل وجنائنها المعلقة.
إضاءة
تقول مديرة آثار بابل الدكتورة مريم عمران «إن اختيار مدينة بابل الأثرية موقعا عسكريا كان خطأ كبيرا ارتكبته الإدارة الأميركية ، إذ اقتطعت مساحات واسعة لإيواء الجنود والعجلات الثقيلة والخفيفة ، كما أن إقامة مطاعم ومطارات زادت من حجم التجاوزات والأضرار» ، مشيرة إلى أن «الموقع الذي اتخذته القوات الأميركية هو نفسه الذي اتخذه البابليون موضعا دفاعيا، استنادا الى هيرودوت، حيث يشكل نهر الفرات عارضا دفاعيا طبيعيا من جهة الغرب».
بغداد - «البيان»