يواصل قطار المصالحات بين القوى السياسية اللبنانية المختلفة مسيره وإن يكن ببطء بعد معاودة اجتماعات هيئة الحوار الوطني خلال الشهر الماضي، علماً أن بعض الزعماء اللبنانيين آثروا استباق انعقاد طاولة الحوار الوطني مجدداً في 25 نوفمبر المقبل، بإجراء مصالحات تمهد للجلوس حولها (بارتياح)، علها تقيهم شر الاحتقان المذهبي وتنفسه، وتعد العدة لمعركة الانتخابات النيابية التي يتوقع أن تشهد ولادتها مخاضاً عسيراً، تفصلها عنها تسعة أشهر (حبلى)... بالمفاجآت.
وكانت (أم المصالحات) التي أجريت عشية عيد الفطر بين (حزب الله) و(تيار المستقبل)، عززت الآمال بلقاء مرتقب بين الأمين العام للحزب حسن نصرالله ورئيس (كتلة المستقبل) النائب سعد الحريري. وأسست ل(أم المصالحات) اللبنانية هذه، مصالحة أخرى في طرابلس في 8 أكتوبر الجاري بين الحريري وممثل الطائفة العلوية النائب السابق علي عيد، وهي التي كانت بمثابة فتح باب الحوار الوطني الذي عقدت أولى جلساته في قصر بعبدا لتليها مجموعة مصالحات على مستوى المناطق في البقاع والجبل وصولاً إلى (مصالحة بيروت).
مصالحة طرابلس
تجمعت السبل إلى مصالحة طرابلس في وقت كانت المدينة الشمالية تشهد صراعات يومية عنيفة بين قوى تسكن في منطقتين متقابلتين، باب التبانة وبعل محسن، وتعيشان صراعاً مزمناً منذ 30 عاماً يتنقل بأشكاله المختلفة وصولاً لحرب الشوارع اليومية من دون أن تكون لأي طرف الغلبة على الآخر.
جاء الشحن السياسي والتصعيد الأمني الذي شهدته الساحة الشمالية وخصوصاً بعد اتفاق الدوحة، ليمنح القوى المتصارعة مجالاً لإعادة النظر في الأوراق ومحاولات خلطها مجدداً. في هذا الإطار، اكتسبت مصالحة طرابلس أهمية استثنائية في ظل رعاية الحريري وحضور رئيس الوزراء فؤاد السنيورة.
فالمنطقة التي ضجت بصوت الاقتتال تحولت خلال أيام إلى باب مفتوح لحل الإشكالات واللقاءات التي كانت محرمة طويلاً. في تلك الفترة، أرسل نصر الله رسالة تطمين واضحة بالدعوة للمصالحة من خلال إعلان دعمه تسهيل الجهود التي تخفف من حدة الاحتقانات، فأعطى (مباركة) للمصالحة الشمالية، مع دعوة لتحريك المصالحات الأخرى.
مصالحة الحريري - كرامي
في طرابلس أيضاً حدثت مصالحة لافتة بين الحريري ورئيس الوزراء السابق عمر كرامي، أفسحت في المجال لتوضيح الكثير من الأمور ولكنها أبقت كل طرف على مواقفه السياسية في تشابه مع مصالحة الحريري ورئيس الوزراء السابق سليم الحص في بيروت الحاصلة في المرحلة الزمنية ذاتها.
المصالحات انتقلت في ذلك الوقت أي في بداية شهر رمضان إلى البقاع من خلال زيارة الحريري التي التأم فيها شمل مصالحات بين قرى ومناطق كانت المعارك تحتدم فيها بشكل يومي. هذه المصالحات البقاعية تزامنت مع دعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان للحوار اللبناني بين 14 مكوناً سياسياً لبنانياً في القصر الرئاسي في بعبدا، والتي أسهمت في إشاعة أجواء التهدئة.
وكذلك حصلت مصالحة اثر معركة الجبل، بين رئيس (اللقاء الديموقراطي) وليد جنبلاط ورئيس (الحزب الديمقراطي اللبناني) الوزير طلال ارسلان، أوصلت جنبلاط إلى عقد مصالحة جديدة مع (حزب الله) في دارة ارسلان جنوب بيروت وعملت على تطويق الإشكالات ومنع التصادم وسمح بفتح صفحة جديدة بينهما.
بعد حركة المصالحات هذه طرح رئيس الهيئة التنفيذية في (القوات اللبنانية) سمير جعجع توسيع المصالحات اثر إشكال وقع بين محازبيه وعناصر من (تيار المردة) الذي يتزعمه الوزير السابق سليمان فرنجية، في شمال لبنان وأسفر عن سقوط قتيلين من الطرفين وجرحى.
وتابع جعجع دعوته من خلال مهرجان حزبي اعتذر فيه على (أخطاء) ارتكبها في الحرب الأهلية، فيما كانت أجواء المعارضة المسيحية وعلى رأسها رئيس (تكتل الإصلاح والتغيير) العماد ميشال عون، تتحفظ على هذه الدعوة ولا تؤمن بجديتها، وتقف على مسافة بعيدة منها، الأمر الذي كاد يبقي الحالة المسيحية متعثرة وتقف خارج المصالحات.
المصالحة المسيحية
غير أن اللقاء الذي جمع 20 نائباً مارونياً أخيراً أسس لانطلاقة جديدة يمكن أن تطوي صفحة الخلافات المريرة التي لا تزال دونها عقبات أبرزها جمع جعجع وعون وفرنجية. ولا يزال العمل يجري على قدم وساق لحل نقاط الخلاف السياسي بين هذه القوى، تمهيداً للمصالحة المسيحية التاريخية. ولا تزال أزمة عقد اجتماع بين عون وجعجع تتصدر الخلاف بين المسيحيين.
إذاً تجمعت المصالحات في المناطق وفتحت الباب واسعاً أمام مصالحة جديدة في بيروت، يؤمل أن تتحول إلى مصالحات أفقية بعدما كانت عمودية، ففي العديد من شوارع بيروت وأحيائها ينتظر متقاتلو الأمس، اللقاء المؤجل إلى أجل غير مسمى ولأسباب لا تزال غير معروفة بين نصر الله والحريري إيذانا ببداية تحول المزاج الشعبي نحو مصالحات شعبية بعد البدء بإزالة الصور والأعلام الحزبية والشعارات في بيروت على أن تستكمل هذه الخطوة لاحقاً في مناطق التماس كافة.
فانعكاس أي مصالحة سيكون على الناس سريعاً فهي عادة لبنانية قديمة وأبرز صورها المصالحات التي حصلت في السنوات الماضية بين عدد من القوى السياسية وأبرزها تفاهم (حزب الله) و(التيار الوطني الحر) الذي يقوده النائب ميشال عون في 6 فبراير 2006.
دور الخارج
في زمن المصالحات ووضع آليات لتطبيق بنود اتفاقاتها، تحضر المصالحة التاريخية التي حصلت قبل أعوام، حيث قام البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير بزيارة مصالحة إلى الجبل في صيف 2001، حيث استقبله جنبلاط في لقاء تاريخي فتح نقاشاً بين اللبنانيين حول نوع المصالحات التي يمكن فيها التخلص من مشاكل الحرب الأهلية وذاكرتها السيئة.
مصالحة عام 2001 كتب لها النجاح الشعبي، في توسيع نطاق العلاقات بين أهالي منطقة الجبل بعد انقطاع طويل. في لبنان ثمة من يقول ان الرعاية الدولية والإقليمية كانت كفيلة إلى حد كبير في وضع الحال اللبنانية على سكة التهدئة والمصالحات، وساعدت بترتيب الوضع الداخلي اللبناني، بعد اتفاق الدوحة وانتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة وحدة وطنية والبدء بالحوار الذي يرسم له ليكون تاريخيا.
في وقت يؤكد عدد من السياسيين اللبنانيين وبعض العرب أنه يجب إبعاد لبنان عن هزات كبيرة قد تصيب المنطقة. فهل يكمل قطار المصالحات اللبنانية طريقه نحو إجراء مصالحة وطنية شاملة؟ إذ حصل ذلك، يكون الزعماء اللبنانيون شرعوا أبواب بلادهم على مرحلة جديدة من الازدهار والاستقرار. أما إذا لم يفعلوا، فسيتركون لبنان في عين كل عاصفة.
إضاءة
في لبنان ثمة من يقول إن الرعاية الدولية والإقليمية كانت كفيلة إلى حد كبير في وضع الحالة اللبنانية على سكة التهدئة والمصالحات، وساعدت بترتيب الوضع الداخلي اللبناني، بعد اتفاق الدوحة وانتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة وحدة وطنية والبدء بالحوار الذي يرسم له ليكون تاريخياً، في وقت يؤكد عدد من السياسيين اللبنانيين وبعض العرب أنه يجب إبعاد لبنان عن هزات كبيرة قد تصيب المنطقة.
قاسم خليفة