تشهد الساحة اللبنانية منذ فترة طويلة حالة من الزخم السياسي والاستقطاب الطائفي والصراع بل والاقتتال بين الأطراف اللبنانية المختلفة وصلت حد الاستقواء بالخارج ضد بعضها وسط اتهامات مختلفة منها استعانة البعض بإيران، وعمل آخرين لصالح سوريا، واستقواء أطراف ثالثة بفرنسا ورابعة بالولايات المتحدة الأميركية وأخيرة بالمملكة العربية السعودية .. وبين الخلافات السياسية والاستقطابات الخارجية تاهت .
واختفت المصالح الوطنية اللبنانية وأصبح حديث الذات والمصلحة الخاصة فوق وقبل المصالح الوطنية اللبنانية ورفع الجميع شعار لا صوت يعلو فوق صوت الطائفية .. الأمر الذي يتطلب ضرورة وجود وقفة حاسمة مع النفس لتقييم ما تم من خطوات والتعرف على الواقع الحالي علي الساحة واستشراف المستقبل اللبناني وتحركات الأطراف المختلفة لتحقيق مصالحها الذاتية والمصالح الوطنية من جهته يؤكد سفير مصر الأسبق في سوريا محمود شكري أن الأوضاع في لبنان تستلزم أن يكون هناك مصالحة وطنية شاملة ومخلصة ومتكاملة لأن استمرار الوضع بهذه الصورة سيؤدي إلي عودة الوضع المتدهور وترشيحه للانفجار من جديد وبشكل أكثر سخونة مما سيؤدي إلى نتائج سلبية كثيرة على المنطقة والشعب اللبناني في غني عنها.
وقال شكري: صحيح أن هناك مشكلات وخلافات بين الأطراف اللبنانية المختلفة وكل طرف من الأطراف يحاول تقوية موقفه مصوبا نظره تجاه الانتخابات البرلمانية القادمة خاصة وأن قانون الانتخابات الجديد يعد من المشكلات والمعوقات الحاكمة في الأزمة اللبنانية، وإذا ما تم حل هذه المشكلة والاتفاق على قانون انتخابات يحكم العملية الانتخابية ويحافظ علي مصالح الفئات والقوي السياسية المختلفة، فإن ذلك يعني نجاح اللبنانيين في قطع شوط كبير نحو المصالحة الشاملة بينهم.
خلافات سياسية
وأشار إلي أن الخلافات بين قادة الأطراف اللبنانية والسياسيين اللبنانيين خلافات سياسية في المقام الأول وبالتالي فمن الممكن الوصول بشأنها إلى حلول تضمن مصالح الجميع، لافتا الى أن التشدد يأتي من الأطراف التي تراهن على قدرتها على تحقيق المزيد من النجاحات في المرحلة الراهنة ووجود مصالح يمكن الحصول عليها دون تقديم (تنازلات مرة) أو (جوهرية) .
وخاصة فيما يتعلق بفريق الشيعة ونبيه بري، وعلى العكس من ذلك تتراجع طموحات ورغبات القوى اللبنانية الأخرى والقادة السياسيين من أمثال سعد الحريري، فالوضع القائم لا يخدم أهدافه السياسية وكذلك الأهداف الأميركية والفرنسية والسعودية.
ووصف شكري الأوضاع في لبنان بالترهل الأمني خاصة تلك الموجودة في منطقة طرابلس والصراع بين الفئات المختلفة فيها وخاصة تلك التي تتهم بأنها مدعومة من سوريا من أمثال العلويين وهو ما يزيد من حجم البلبلة في المنطقة، وتبادل الاتهامات فيما بين هذه الأطراف.
وبالتالي فالوضع خطير ولابد أن تكون التحركات محسوبة وإلا ستكون عواقبها وخيمة. واستبعد السفير محمود شكري أن يكون هناك ممارسة لضغوط سياسية من أية أطراف دولية لإجبار الأطراف اللبنانية علي اتخاذ مواقف بعينها أو تحقيق نتائج إيجابية علي مسيرة المصالحة اللبنانية في المرحلة الحالية.
مشددا على أن المرحلة الحالية واللاحقة تستلزم أن يكون ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف المختلفة بالتراضي فيما بينها وأن هذه المرحلة لا تصلح فيها سياسة الضغوط وإنما لابد أن يتم ذلك من خلال تنازلات محسوبة وحلول وسط بما لا يخل بالأطراف المختلفة في المسألة اللبنانية.
وقال شكري : الوضع الموجود في لبنان اليوم (مترهل سياسيا وأمنيا) وكل السياسيين يبحثون عن مصالحهم الذاتية بعيدا عن المصالح الوطنية للبنان ولابد من تحكيم الضمير الوطني وتقديم المصالح الوطنية على المصالح الذاتية، وإلا فالنتائج ستكون وخيمة وغير محسوبة العواقب والجميع سيكونون خاسرين ولن يوجد طرف فائز في الأطراف اللبنانية.
تحركات مكثفة مقبلة
ومن جانبه توقع مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير نبيل بدر أن تشهد الساحة اللبنانية مزيدا من التحركات في المرحلة المقبلة في إطار المصالحة سواء كانت شاملة أو جزئية وقال: من وجهة نظر تسعي لتحقيق الصالح اللبناني نؤكد أن المصالحة الوطنية في لبنان هي المطلب والأمل الذي يلبي احتياجات ومطالب وأهداف مختلف الفئات اللبنانية علي اختلاف مشاربها وكذلك القوى العربية المختلفة ودول المنطقة باعتبار أن استقرار ووحدة لبنان فيه استقرار المنطقة كلها.
واستطرد السفير نبيل بدر قائلا : إن هذا لا يعني بالضرورة اختفاء الخلافات السياسية فهي جزء من اللعبة الديمقراطية، والمطلوب هو علاج هذه الخلافات في إطار المصالحة الوطنية للوصول إلي أرضية مشتركة بين الأطراف المختلفة بما يحقق المصالح الوطنية وألا يتم مناقشة ذلك في ضوء الاستقطابات والتحالفات السياسية أو الأمنية.
وحذر بدر من محاولات البعض للاستقواء بالخارج خاصة استعدادا للانتخابات القادمة سواء في إطار تحركات تكتيكية أو الاستعانة بالأطراف الخارجية المختلفة وأن تكون توجهات المصالحة توجهات وطنية مخلصة دونما التشابك مع أي فئة أو جهة. وقال: إن ما تم علي طريق المصالحة ينبغي الترحيب به إلا أن ما تحقق ليس كافياً بالمرة. مضيفا: انه إذا كان لبنان يحكمه منذ الاستقلال الميثاق الوطني فإننا نتمنى أن تجمع الأطراف اللبنانية على ميثاق وطني للمصالحة تتضح فيه الأطر العامة لهذا التحرك الذي ينبغي أن يصب في صالح لبنان.
وقال السفير نبيل بدر: بطبيعة الحال الساحة اللبنانية مليئة بأطراف متطرفة لديها مشروعات تتجاوز المصالح اللبنانية كما شاهدنا ذلك في أحداث طرابلس،كما أنه ليس هناك توافق على المشروع الوطني للدولة المركزية وكذلك تحرك بعض الفئات اللبنانية خاصة الصغيرة بالنظر للخارج وهو ما ينبغي تجنبه. معربا عن أمله في أن تؤدي جهود الرئيس اللبناني العماد ميشيل سليمان إلى حماية الإطار اللبناني وتشجيعه، مشيرا إلى أن الشفافية المطلوبة من شأنها وضع الأمور في نصابها.
تحذير من خطورة الموقف
ما نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور وحيد عبدالمجيد فقد أكد خطورة الموقف على الساحة اللبنانية وسط حالة من الاستقطابات الطائفية والتجاذبات السياسية والأطماع الشخصية والأهداف والنعرات والطائفية القائمة على المصالح الشخصية، والطائفية بعيدا عن المصالح الوطنية والقومية وتنفيذا لأجندات خارجية على حساب المصالح اللبنانية .
محذرا من تحول لبنان إلى ساحة لتصفية الصراعات والحسابات الدولية وربما الحرب بالوكالة وهذا ما حدث بالفعل خلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام 2006 فقد كان الهدف من هذه الحرب في الأساس هو تقليم أظافر إيران وقطع ذراعها الطويلة والقريبة من لبنان، وفي نفس الوقت حاولت إيران إيصال رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة وحليفتها الأساسية بالمنطقة إسرائيل وهي قدرة إيران على تهديد أمن إسرائيل وزعزعة استقراره وضرب المصالح الأميركية في المنطقة إذا أرادت وذلك من خلال تحريك فصيل صغير من حلفائها وهو حزب الله.
وأشار عبدالمجيد إلى أن ما زاد من تفاقم المشكلة اللبنانية في الفترة الأخيرة اتساع الهوة بين الشيعة والسنة واشتداد المنافسة والصراع بين المذهبين الإسلاميين الأساسيين وتحوله من صراع طائفي لبناني بحت إلى صراع مذهبي إقليمي ودخول دول كبرى في هذا الصراع.
على اعتبار أن إيران تأخذ من المذهب الشيعي وسيلة ومدخلاً لبسط نفوذها وسطوتها والعودة لسيطرة القومية الفارسية على القومية العربية مما دفع بدول كبرى مثل المملكة العربية السعودية ومصر والأردن للدخول بقوة في هذا الصراع، وأصبح لبنان مسرحا ثانيا للصراع بين السنة والشيعة على غرار ذات الصراع في الأراضي العراقية.
أضف إلى ذلك انضمام عدد من الدول الأوروبية والغربية والإقليمية للتصارع داخل لبنان كل وفق أجندته مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا وسوريا وتركيا وتحول لبنان ذلك البلد الصغير إلى ساحة لتصارع الدول والقوى الكبرى سواء الدولية أو الإقليمية وهذا ما زاد من تفاقم الأزمة واشتعال الصراع على الساحة اللبنانية مما أدى إلى تعقيد الأمور أكثر وأكثر.
المصالحة على الطريق
ومن جانبه، أكد الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية للشؤون السياسية السفير أحمد بن حلي أن خطة المصالحة واتفاق الدوحة ينفذ فعليا حسب البرنامج الزمني الذي نص عليه هذا الاتفاق حيث تم بالفعل اختيار رئيس الجمهورية وتعيينه، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وبدأ الرئيس اللبناني بتحقيق التوافق الوطني والمصالحة بين الفرقاء اللبنانيين .
ويأتي بعد ذلك الاتفاق علي صيغة توافقية حول قانون الانتخابات وإجراء الانتخابات البرلمانية، مشيرا إلى أن اللبنانيين ماضون قدما في تنفيذ اتفاق الدوحة والذي تم بجهد ورعاية الجامعة والدول العربية، وقال: نحن في الجامعة العربية حريصون على استمرار الدعم والزخم العربي لدفع مسيرة المصالحة الوطنية اللبنانية دون توقف.
وحول ممارسة بعض القوى الإقليمية والدولية لضغوط على الفرقاء اللبنانيين لتحقيق أهداف معينه على حساب المصالح والمصالحة الوطنية اللبنانية، قال السفير بن حلي: إن السياسيين اللبنانيين واعون لذلك جيدا ولا أعتقد أنه يمكن لهم أن يقبلوا أي ضغوط خارجية تكون ضد المصالح الوطنية .
خاصة وأن القادة والسياسيين اللبنانيين يلقون كل الدعم والمساندة من القادة العرب لدفع مسيرة المصالحة وتوحيد الجهود اللبنانية لعودة الأمن والاستقرار وإعادة البناء والتنمية والتقدم إلى لبنان، مشيرا إلى أنه إذا ما كانت هناك قوى خارجية تمارس مثل تلك الضغوط لخدمة أجندتها الخاصة فإن القادة اللبنانيين بلا شك سيفشلون مثل تلك المحاولات.
وأشار بن حلي إلى أن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي على اتصال دائم بالقادة والساسة اللبنانيين وحريص على متابعة الموقف أولا بأول وتقديم كل صور الدعم والمساندة للأخوة اللبنانيين، ولم يستبعد قيام موسى بزيارة لبنان إذا ما استلزم الأمر ذلك.
وتابع: أنه لا يوجد شك في أنه ما بين الوقت والآخر تحدث بعض الجرائم الإرهابية ونحن ندينها بشدة، والقادة اللبنانيون واعون لذلك وحريصون على عودة الوئام والأمن والاستقرار في لبنان واستمرار حالة التوافق الوطني هناك خاصة وأن الإرهاب ظاهرة عالمية ويحدث في كل العالم وليس قاصرا على دولة بعينها أو طرف بذاته ونحن على اتصال دائم بالأطراف اللبنانية لتفادي تأثير مثل هذه الأحداث العارضة على مسيرة التوافق والمصالحة اللبنانية.
إضاءة
يؤكد سفير مصر الأسبق في سوريا محمود شكري أن الأوضاع في لبنان تستلزم أن يكون هناك مصالحة وطنية شاملة ومخلصة ومتكاملة لأن استمرار الوضع بهذه الصورة سيؤدي إلى عودة الوضع المتدهور وترشيحه للانفجار من جديد وبشكل أكثر سخونة مما سيؤدي إلى نتائج سلبية كثيرة على المنطقة والشعب اللبناني في غنى عنها.
القاهرة ـ «البيان»