ساد التوتر في العلاقات الأميركية-الباكستانية خلال الأيام القليلة الماضية بعد سلسلة من عمليات التوغل والقصف الأميركية لمناطق القبائل الباكستانية المحاذية للحدود مع أفغانستان. وقد رد الجيش الباكستاني على بعض من تلك العمليات بإطلاق النار التحذيري لإنذار القوات الأميركية بسبب دخولها الأجواء أو الأراضي الباكستانية. وهذا التوتر زاد من مخاوف بعض المراقبين على مصير الحرب الأميركية على ما يسمى ''الإرهاب'' في أفغانستان.
تعتبر باكستان دولة حليفة للولايات المتحدة، فالعلاقات الثنائية الوثيقة بينهما تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي عندما كانت الحرب الباردة بين الأميركيين والسوفييت تدور رحاها على الأرض الأفغانية، حيث كان للدور الباكستاني تأثيره الحاسم في إلحاق الهزيمة بالسوفييت على يد المجاهدين الأفغان بدعم من واشنطن.
وبعد انتهاء ذلك الدور، تجاهلت الولايات المتحدة حليفها السابق الذي لم تعد له لازمة، وقامت بوقف مساعداتها له، بل أدى الأمر إلى الامتناع عن تسليم طلبية من طائرات إف-16 كانت باكستان قد دفعت ثمنها بذريعة قيام إسلام أباد بتجاربها النووية. وبعد وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001، عادت الولايات المتحدة إلى الاهتمام بباكستان إدراكاً منها لأهميتها في نجاح الحرب الأميركية على تنظيم القاعدة وحركة طالبان المتحالفة معه في أفغانستان.
وبالفعل، قامت باكستان بتنفيذ ما طلب منها خلال تلك الحرب، وإن كانت أكثر تشدداً مع عناصر القاعدة من عناصر طالبان، حيث قامت باعتقال بعضهم وتسليمه إلى الولايات المتحدة. وفي المقابل، قدمت واشنطن الدعم المالي والعسكري لنظام مشرف الذي أعلن وقوفه إلى جانب واشنطن في حربها على ما يسمى بالإرهاب.
وفي 2003 شنت الولايات المتحدة حربها على العراق، مما استدعى سحب بعض القوات المرابطة في أفغانستان إلى الجبهة العراقية وحاولت الولايات المتحدة أن تستعيض عنها بحشد قوات من الدول الأعضاء في الناتو، غير أن الوضع الأمني لم يستقر في أفغانستان بل على العكس ازدادت العمليات العسكرية التي تنفذها حركة طالبان ضراوة وباتت الحركة تسيطر من الناحية العملية على أكثر من نصف الأراضي الأفغانية، وبدا أن الولايات المتحدة وحلفاءها باتوا قاب قوسين أو أدنى من خسارة الحرب. وقد اعتبرت واشنطن أن السبب في تدهور الوضع الأمني هو أن مقاتلي طالبان والقاعدة يجدون لهم ملاذاً آمناً في المناطق القبلية الباكستانية المحاذية لأفغانستان.
اتفاقات هدنة
طلبت واشنطن من نظام مشرف ضرب مقاتلي طالبان والقاعدة في المناطق القبلية، وقام مشرف بالفعل بتوجيه بعض الضربات التي ارتدت على شكل تفجيرات زعزعت الاستقرار الداخلي في باكستان، الأمر الذي دفع بمشرف في أيامه الأخيرة إلى عقد اتفاقيات للهدنة مع حركة طالبان باكستان الحليفة لطالبان الأفغانية والقاعدة.
وفي يوليو الماضي، أصدر الرئيس الأميركي جورج بوش تعليمات إلى جيشه تقضي السماح لهم بشن غارات داخل الأراضي الباكستانية من دون إذن حكومة باكستان. وكان نتيجة ذلك تنفيذ الجيش الأميركي لعدة عمليات قصف بالصواريخ وتوغل بري أدت إلى مقتل العشرات من الباكستانيين الأبرياء وأثارت مشاعر السخط والغضب في أوساط الباكستانيين، وأحرجت الحكومة الجديدة التي تحاول أن تتخلص من تركة حكومة مشرف.
تحتل المناطق القبلية شمال غرب باكستان موقعاً استراتيجياً، وكانت على الدوام بوعورتها عصية على الاستعمار والدخلاء، وقد أدرك البريطانيون هذه الحقيقة، فعمدوا إلى التعامل بذكاء مع هذه المنطقة التي تقطنها غالبية البشتون، وهي نفس الإثنية السائدة في أفغانستان.
حيث جرى التلاعب بالمشاعر الدينية لهؤلاء من أجل التأثير في الأحداث داخل أفغانستان وإلى حد ما باكستان، وهذا ما قام به الأميركيون لطرد الاحتلال السوفييتي من أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. ولكن السحر قد انقلب الآن على الساحر، فالمناطق القبلية تصب جام غضبها على أميركا وحلفائها وتحتضن عناصر طالبان والقاعدة وبعض الجماعات الإسلامية الجهادية التي كانت تقاتل في كشمير المتنازع عليها بين باكستان والهند.
هدف واحد
معظم المقاتلين المتمركزين في مناطق القبائل يجتمعون على هدف واحد هو مقاتلة قوات الناتو وحلفاءها المحليين في أفغانستان. ويعتقد الأميركيون أن هؤلاء المقاتلين بعملياتهم التي يشنونها انطلاقاً من الأراضي الباكستانية هم السبب الرئيسي وراء فشل جهود إعادة إعمار أفغانستان.
وبحسب إحصائيات أميركية، فإن ما يقارب 1500 مدني أفغاني قد لقوا حتفهم هذا العام، نصفهم بأيدي الأميركيين وحلفائهم. وفي تقييمه لوضع الحرب في أفغانستان، قال الأدميرال مايك مولين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية إن ''الوقت ينفذ'' على تغيير الأمور على الأرض في أفغانستان.
وكانت الولايات المتحدة قد دفعت منذ بداية غزوها لأفغانستان في 2001 ما يفوق 12 مليار دولار للحكومة الباكستانية لكي تشن حملة ضد المقاتلين الذين يتخذون من المناطق القبلية ملاذاً لهم. وتنشر باكستان حوالي 120 ألف جندي منهم 60 ألف عنصر من العناصر القبلية المحلية، ولكنها لم تنجح حتى الآن في تصفية الوجود القوي لطالبان والقاعدة في تلك المناطق.
أما الولايات المتحدة، فتشعر أنها لم تحصل على ما تريد مقابل ما دفعته من أموال، فمناطق الحدود بين باكستان وأفغانستان لا تزال مرتعاً للمسلحين. والتسلح على شاكلة طالبان انتشر في الولايات الشمالية الغربية وما بعدها وصولاً إلى عمق الأراضي الباكستانية. وفي العام الماضي، قتل أكثر من 1500باكستاني على يد مسلحين في عمليات وقعت في المناطق الشمالية الغربية أو انطلاقاً منها.
ففي السادس من سبتمبر الماضي، وهو اليوم الذي شهد اختيار عاصف زرداري رئيساً لباكستان، قام انتحاري بتفجير سيارة مفخخة في نقطة تفتيش للشرطة في بيشاور مما أدى إلى مقتل 37 شخصاً، إلى جانب العديد من عمليات التفجير والقتل. وفي العشرين من سبتمبر نفسه، وقع تفجير انتحاري في فندق الماريوت الفخم مما أوقع 60 قتيلاً و260 جريحاً. وقد حصدت العمليات الانتحارية خلال عام ونصف أكثر من 4000 قتيل وقضت على قطاع السياحة بالكامل، خاصة بعد القتال الذي وقع في إقليم سوات ذو الطبيعة الخلابة بين القوات الأميركية ومناصري مولانا فضل الله.
عدوان جديد
لا عجب في ضوء الوضع الراهن أن قال عاصف زرداري، أول رئيس باكستاني مدني منذ تسع سنوات، إن طالبان تملك ''اليد العليا'' في باكستان. ويبدو أن بوش يوافقه الرأي. فمن الواضح أنه كان يأمل من خلال إصداره الأمر بالتحرك من جانب واحد على الحدود الباكستانية مع أفغانستان، أن يحث الجيش الباكستاني على تحسين أدائه، وأن يؤدي إلى اغتيال بعض من عناصر القاعدة، بمن فيهم أسامة بن لادن قبل نهاية فترة ولايته الرئاسية في يناير المقبل.
لقد كشف النقاب لأول مرة عن عدوان بوش الجديد في الثالث من سبتمبر الماضي عندما شن الأميركيون هجوماً جوياً على قرية جالا خيل في جنوب وزيرستان، والذي زعم الأميركيون أنه أودى بحياة مجموعة من مقاتلي القاعدة. ولكن الجيش والصحافيين في باكستان نفوا الرواية الأميركية وقالوا إن الضحايا كانوا من المدنيين.
وجاءت الإدانات المتتالية على ألسنة المسؤولين الباكستانيين من عسكريين ومدنيين، وجميعها أكدت على أن من حق باكستان أن تدافع عن سيادتها على أراضيها وأنها ستمارس هذا الحق. وفي الواقع أن الحكومة الباكستانية لا تملك خياراً غير ذلك، فقد أظهر استطلاع حديث للرأي أن أربعة أخماس الباكستانيين يعارضون قيام الولايات المتحدة بضرب القاعدة على أرضهم.
غير أن واقع الحال يقول إنه لا حكومة زرداري ولا إدارة بوش تستطيع أن تتحمل تبعات اندلاع مواجهة مفتوحة بين البلدين. فالرئيس الجديد زرداري الذي تولى الرئاسة خلفاً للرئيس المخلوع برويز مشرف لا يريد ان يبدو كسلفه أداة مطواعة في يد الأميركيين ولا يستطيع شن هجوم واسع النطاق على مناطق القبائل من دون أن يثير حفيظة الشعب الباكستاني الذي سينظر لتلك الخطوة باعتبارها خيانة ورضوخاً للضغوط الأميركية، وهو أصلاً في وضع ليس قوياً بما فيه الكفاية كي يضرب عرض الحائط بالرأي العام الباكستاني.
أما بوش، فهو يريد أن يحقق أي إنجاز قبل نهاية ولايته، وهو يعرف أن ذلك لن يتحقق بين ليلة وضحاها في العراق ولا في أفغانستان، ولذا فإنه يحاول من خلال تكثيف عمليات القصف في مناطق القبائل الباكستانية أن ينجح في قنص صيد ثمين من عناصر القاعدة لكي يقدمه على أنه انجاز له ولإدارته، الأمر الذي من شأنه أن يدعم موقف المرشح الجمهوري جون ماكين في الانتخابات المقبلة.
لقاءات لتخفيف التوتر
من هنا شهدنا في الأيام الأخيرة لقاءات بين مسؤولين أميركيين وباكستانيين لتخفيف التوتر بين الجانبين وبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي الأمني في مناطق القبائل.
ومن تلك اللقاءات اجتماع مايك مولين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، مع رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني والجنرال اشفق كياني، قائد الجيش. وقد اجتمع زرداري كذلك مع الرئيس الأميركي جورج بوش ومع وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وشن بعد الاجتماع هجوماً على الولايات المتحدة قال فيه: ''كما أننا لا نسمح للإرهابيين بان يستخدموا الأراضي الباكستانية ليشنوا اعتداءات علينا وعلى جيراننا، كذلك لا يمكننا أن نسمح لأصدقائنا بان ينتهكوا أرضنا وسيادتنا''.
يبدو من كلام الرئيس الباكستاني الجديد أنه في وضع لا يحسد عليه، فهو من جهة لا يريد أن يستعدي الشعب من خلال القيام بعمليات عسكرية أوسع في مناطق القبائل، ومن جهة أخرى، يريد أن يثبت للأميركيين أنه يفرض سلطته على كامل الأراضي الباكستانية ويتعاون مع الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب كأفضل حليف وذلك لضمان استمرار دعم واشنطن له ولحكومته.
ولكن زرداري لن يستطيع السير طويلاً على هذا الحبل المشدود وقد تزل قدمه فيهوي في جب عميق لا أمل بالخروج منه، وعليه أن يدرك قبل فوات الأوان أن ما يسمى بالحليف الأميركي لن يدوم وله في مصير سلفه عبرة، وبالتالي عليه أن يراهن على الشعب وقواه الوطنية التي تعارض التحالف مع الأميركيين في ضرب أبناء بلدهم بحجة مكافحة الإرهاب وترسيخ الاستقرار في المنطقة. أما إن انصاع للمطالب الأميركية وشن هجوماً واسعاً على مناطق القبائل الباكستانية، فإنه سيثير ضده العديد من القوى السياسية في البلاد وعلى رأسها حليفه السابق نواز شريف، وسيتسبب في زعزعة الاستقرار داخل باكستان، فيكون مصيره ليس بأحسن من مصير سلفه مشرف.
ضرار عمير