تسبب الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة منذ عامين، والذي اشتدت وطأته قبل نحو سنة في خسارة مئات الطلبة الجامعيين في غزة مقاعدهم الدراسية في الجامعات العربية والأجنبية التي يُكملون فيها تحصيلهم العلمي، جراء إغلاق جميع المعابر ومنعهم من السفر.

وقال مركز حقوقي، يُعنى بالدفاع عن حرية الحركة للفلسطينيين في التنقل، وخصوصاً سكان قطاع غزة، إنه منذ نحو عام؛ أغلقت السلطات الإسرائيلية آخر إمكانيات الدراسة أمام مئات الطلاب في القطاع، وهو السفر إلى الخارج لاستكمال دراستهم الجامعية.

ولقد حوّلت سياسة الحصار التي تتبنّاها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، قطاع غزة الذي يعيش فيه مليون ونصف المليون نسمة إلى أكبر سجن في العالم. ولم يعد أيّ من سكان غزة يستطيع مغادرة القطاع تحت أي ظرف من الظروف، حتى بالنسبة للحالات المرضية المستعصية والطلاب والطالبات الدارسين في الخارج ومزاولي الأعمال المختلفة فضلاً عن الصحافيين ومراسلي الإعلام ومسؤولي الوكالات والجمعيات الإنسانية.

وأورد التقرير عدة حالات لطلبة ترفض السلطات الإسرائيلية السماح لهم بمغادرة القطاع لاستكمال دراستهم في الجامعات الأوروبية والأميركية، مشيراً إلى أن عدد الطلبة الممنوعين من إكمال دراستهم في الخارج وصل إلى نحو 700 طالب.

تضييق الحصار

وأوضح المركز الحقوقي أن جهاز التعليم العالي في القطاع ''يعاني انهياراً'' بسبب الحصار الإسرائيلي ورفض السماح لدخول محاضرين ليسوا من سكان القطاع بمن فيهم محاضرون أجانب، كما مُنع المحاضرون من سكان غزة من مغادرة القطاع للدراسة والبحث العلمي، وبذلك تم عزل جهاز التعليم العالي في القطاع عن المؤسسات الأكاديمية العربية والغربية والفلسطينية في الضفة الغربية.

وكانت الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة، التي تتخذ من بروكسل مقراً لها، قد حذرت أكثر من مرة من خطورة الأوضاع التي يعيشها الفلسطينيون في القطاع المحاصر، مشيرة إلى أنّ ''الساعات الحالية تجعلنا شهوداً على كارثة إنسانية تتشكّل بشكل متسارع ، عبر انهيار ما تبقى من نظام الخدمات العامة ومقومات الحياة اليومية والرعاية الصحية وجهاز التعليم في شتى مناطق قطاع غزة ويقول البروفيسور سعيد إبراهيم عبدالواحد بجامعات غزة ان التعليم العالي في فلسطين ينحدر يوماً بعد يوم مؤكدا أن لفلسطين دائماً خصوصية ما.

وبالتالي فان لتدهور التعليم العالي في فلسطين أسباباً تختلف نوعاً ما عنها في بلدان عربية أخرى مثل اليمن والصومال والسودان ومصر والمغرب وغيرها. وأضاف: أرى أن من أهم أسباب انحدار مستوى التعليم الجامعي في فلسطين الفقر وضعف الموارد المالية واللوجستية المتوفرة لتحقيق تعليم عالي نوعي في فلسطين.

غياب البرامج النوعية

هذا فضلا عن غياب البرامج النوعية والأستاذ الجامعي المتميز وهو ما ينعكس في زيادة برامج الدراسات العليا التي تطلقها الجامعات المحلية بلا حسيب ولا رقيب ولا ضوابط ولا نواهي، وبمعزل عن جهات الاختصاص! ووصف البروفيسور عبدالواحد الجامعات بأنها تحولت إلى مطابع للشهادات ليس غير.

وأشار إلى غياب المتابعة الأكاديمية ذات الأهداف التطويرية وعدم وجود لجان متخصصة ومهنية لمراجعة المقررات والأداء حيث لا يلقى الأداء تقييماً في نهاية الفصل الدراسي وبالتالي تغيب التكاملية في أداء عناصر القسم الواحد من أعضاء هيئة التدريس، أي أن هناك ابتعادا كثيرا عن المهنية والجدية قد يصل إلى حد الاغتراب.

ألا وتحدث البروفيسور عبدالواحد عن تفشي الحزبية في جامعات غزة التي نخرت جسم التعليم الجامعي مثلما نخرت المجتمع كله فكانت نتائجها المؤسفة مثل فعل السوس في الخشب وقال ''صارت الحزبية معياراً مهماً في كثير من الأمور وعليها تبنى تقويمات عديدة مما يخرج بالعملية التربوية والتعليمية عن المألوف ويهرب بها بعيداً عن الموضوعية والمهنية والنتائج الجيدة.

هذا الأمر جعل الموظف الحزبي يرقى بينما الموظف غير الحزبي أو الذي ربما ينتمي إلى حزب آخر لا يرقى مهما كان أداؤه وقدراته وخبرته وإخلاصه والتزامه. وبالتالي ينعكس الأمر على الطلبة ممثلين بداية في مجالسهم الطلابية وهي مجالس تمثل في غالبها اذرعاً للأجهزة الأمنية والأحزاب ومن ثم من لف لفهم، وتتباين النتائج بحسب الانتماء كذلك.

السبب التسييس

بدوره يرى الدكتور أسامة أبو نحل الأستاذ المشارك بجامعة الأزهر في غزة إن انهيار العملية التعليمية في الجامعات الفلسطينية يعود أولاً وأخيراً، لتسييس العملية التعليمية.

وأضاف أن الجامعات الفلسطينية أصبحت تابعة لفصائل وتنظيمات بعينها كفتح وحماس، فنجد جامعات لا توظف إلاَّ من يعتنق فكر وسياسة هذا التنظيم أو ذاك. وبات الأكاديميون المستقلون في الشارع لا يجدون من يسأل عنهم أو يوظفهم، مؤكدا انتشار هذه الصورة بعد التجاذبات والتناحرات السياسية في الفترة الأخيرة.

وأضاف أن الدور التخريبي لمجالس الطلاب في الجامعات الفلسطينية له أثر مدمر على العملية التعليمية، فهذه المجالس تتدخل في شؤون إدارات الجامعات، وتفرض نفوذها عليها، حتى أصبحت تتدخل في اختيار رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، فإذا ما أراد أكاديمي منصب إداري في الجامعة فعليه بالتودد لهذه المجالس، ومن لا ترضى عنه هذه المجالس يتم عزله من منصبه، ولنا في بعض الجامعات أمثلة على ذلك.

ويرى أبو نحل انه للخروج من هذا المأزق لا بد من إلغاء مجالس الطلبة هذه، لأنها تعدت وظيفتها في خدمة الطلاب إلى الحصول على مكاسب شخصية، كتعيين معظمهم في وظائف مديرين.

من جهته انتقد عضو مجلس إدارة جامعة الأزهر بغزة سابقا البروفيسور صادق أبو سليمان أوضاع الجامعات وطالب بإلغاء جميع البرامج العالية في كافة الجامعات الفلسطينية لا لتذهب إلى غير رجعة، بل لإعادة صياغتها وتنفيذها من خلال إنشاء كلية دراسات عليا فلسطينية واحدة في جناحي الوطن تكون تابعة لوزارة التعليم العالي لها مجلس جامعة أعضاؤهألا من أساتذة الجامعات الفلسطينية كلها، وأن يتغير أعضاؤه كل سنتين، ويمكن التجديد للأعضاء ممن تثبت جدارته ونزاهته لمرة واحدة حتى لا يكون للمجاملة ولألفة الاجتماع أثرها في التقييم بل العمل بصفة عامة.

ماهر إبراهيم