تكشف الأحداث الأخيرة على صعيد التطورات الجارية على قمة النظام الدولي سواء على المستوى الداخلي الأمريكي أو على مستوى تفاعلات القوى الأخرى المنافسة للولايات المتحدة عن خطأ النظرية التي طرحها المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما بشأن نهاية التاريخ.

فمع بداية تفكك المعسكر الإشتراكي عام 1989 خرج المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما على العالم في مجلة « ناشيونال انتريست » بمقالته الشهيرة تحت عنوان « نهاية التاريخ» والتي تناول فيها نهاية الأنظمة الشمولية في العالم لتحل محلها أنظمة ليبرالية ولتسود الديمقراطية الأمريكية العالم كله ، وأحدثت هذه المقالة ردود فعل قوية في مختلف أنحاء العالم .

وفي عام 1992 بلور فوكوياما فكرته في شكل نظرية جديدة في كتابه تحت عنوان « نهاية التاريخ والإنسان الأخير» وهو الكتاب الذي دعا فيه فوكوياما الولايات المتحدة الى أن تأخذ على عاتقها نشر الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم بمختلف الوسائل ، بما فيها استخدام القوة.

ويرى المحللون أن نظرية فوكوياما هذه شغلت حيزا أساسيا في إعداد ما سمي بـ « مشروع القرن الأمريكي» عام 1993 الذي أعده نخبة من منظري السياسة الخارجية الأمريكية من المحافظين الجمهوريين ، والذي على أساسه تحركت إدارة الرئيس بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 رافعة شعار الإصلاح ونشر الديمقرطية في عدة بلدان من العالم ، خاصة البلدان التي تشكل أهمية استراتيجية لدى المحافظين مثل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي اندلعت فيها الثورات الملونة رافعة شعار الديمقراطية الأمريكية ، مثل الثورتين الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا .

هرولت العديد من الأنظمة الحاكمة لتقديم فروض الطاعة والولاء لواشنطن خشية مواجهة تهديد الإصلاح الديمقراطي بالقوة ، ، ولم تكن روسيا «يلتسين»في التسعينات استثناء لما يحدث.

غير أن التطورات كشفت عدم صحة هذه النظرة فقد شعرت روسيا، القوى المناوئة التي كانت نهايتها بمثابة نهاية التاريخ لدى فوكوياما ، مبكرا بسعي واشنطن وحلف الناتو لمحاصرتها داخل حدودها و جرها لنزاعات تستنفذ قوتها وتوقف عجلة تطورها المتسارعة ، وحذرت موسكو الغرب كثيرا من هذه السياسة العدوانية ، ولكن الغرب الذي كان غارقا في وهم نظرية « نهاية التاريخ » لم يأخذ تحذيرات روسيا وتهديداتها محمل الجد، إلى أن جاء الرد الروسي القوي غير المتوقع في جورجيا.

وهاهي الأحداث تتوالى على كافة الصعد لتكشف عدم صحة نظرية فوكوياما فالولايات المتحدة تبدو في أضعف حالاتها وبدأت الدعوات تتزايد بضرورة التدخل لتعديل آليات الرأسمالية التي تمثل أساس النظام الغربي، وهو ما جاء على لسان بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما وجد تطبيقه على أرض الواقع في تأكيد الكثير من الاقتصاديين الغربيين بأنه لا ضير في ذلك طالما أن ذلك يحقق مصلحة المجتمع، ووسط تحد روسي فضلا عن صعود الصين وغيرها من القوى الجديدة فإن التطورات تؤكد بحق عودة التاريخ الذي توهم المحافظون الأمريكيون خطأ أنه انتهي.