شهدت الشهور الأخيرة العديد من التطورات السياسية والأحداث الاقتصادية على الساحة الدولية أدت إلى الكثير من التغيرات في خريطة العلاقات الدولية بما يوحي بأن هناك تغيرات دراماتيكية ربما تحدث خلال السنوات القادمة بعدما حدث من تغيرات في موازين القوى على المستوى الدولي الأمر الذي دفع البعض للتساؤل عن مدى استمرار الأحادية القطبية في إدارة النظام الدولي؟ وما إذا كانت هذه الأحداث والتطورات تؤكد تراجع الهيمنة الأميركية على النظام العالمي والقضاء على الديكتاتورية الدولية؟.
ويؤكد الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم أن وضع الولايات المتحدة الأميركية في العالم قد اهتز كثيرا في الفترة الأخيرة خاصة بعد تحول العالم من (''أحادية القطبية) إلى (''تعددية القطبية'') فأصبحت روسيا تزاحمها عسكريا وما موقف روسيا من جورجيا وبولندا من ذلك ببعيد ،وكذلك الصين تنافسها اقتصاديا والإتحاد الأوروبي يبني موقفه وقراراته بناء على حسابات خاصة بمصالحه بعيدا عن واشنطن.
وأشار إلى أن الأوضاع الناجمة عن حالة الأحادية القطبية قد اهتزت بشدة وفي طريقها للتغيير ودور الولايات المتحدة في الصعيد الدولي يتراجع ، مشددا على أنها لم تفقد هيمنتها وسطوتها وكبرياءها بالكامل ولكنها في الطريق لذلك، منوها إلى أن الأزمة الاقتصادية الأخيرة سيكون لها أثر بارز في تقليص هذه الهيمنة الاقتصادية على العالم.
صياغة جديدة للنظام الدولي
وشدد مسلم على أنه من الصعب حاليا تصور أو تخيل السيناريوهات المستقبلية لنهاية الهيمنة الأميركية على المجتمع الدولي وأن ذلك يتطلب صياغة جديدة لأوضاع المجتمع الدولي والعلاقات الدولية،لافتا إلى أن النظام الذي نعيش فيه حاليا ناجم عن نتائج الحرب العالمية الثانية .
وقال مسلم : إن التغير القادم في العلاقات الدولية القائم على التعددية يستلزم القيام بدراسات شاملة لمستقبل العلاقات الدولية ومستقبل المنظمات الدولية القائمة وآليات عملها وأهدافها مثل منظمة الأمم المتحدة ومؤسستها وهيئاتها وما إذا كان سيتم الإبقاء عليها كما هي أو إلغاؤها أو تطويرها وكيفية كل حالة من هذه الحالات ، وعموما فالوقت مازال مبكرا لذلك''.
وأضاف :'' مما لاشك فيه أن الوضع القائم يتغير كثيرا وفي طريقه لوجود أقطاب متعددة والولايات المتحدة فقدت وتفقد الكثير من وضعها الاحتكاري والمهيمن على العلاقات الدولية الذي اكتسبته في أعقاب الحرب العالمية الثانية وانهيار الإتحاد السوفييتي السابق ونهاية الحرب الباردة ''.
سنن كونية
ومن ناحيته ، يؤكد أستاذ العلوم السياسية والسفير العراقي السابق فى اليمن الدكتور فهمي القيسي أنه بطبيعة الحال فإن كل الإمبراطوريات وكما تعلمنا من التاريخ تصعد إلى القمة من خلال القوة المتغطرسة والبطش وهو ما صنعته الولايات المتحدة الأميركية خاصة بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية وانهيار حائط برلين وسقوط الاتحاد السوفييتي فسعت لتطبيق نظريتها في العلاقات الدولية المعروفة بـ '' المصالح الإستراتيجية '' وعملت على الاستفادة من سقوط وانهيار الإمبراطورية السوفييتية وامتدت إلى آسيا الوسطى لتحقيق هدفين استراتيجيين ،الأول السيطرة على أبار البترول خاصة حول بحر قزوين، أما الهدف الثاني فيتمثل فى مراقبة الدول النووية في المنطقة خاصة روسيا والصين والهند وباكستان .
وأضاف القيسي'' المقيم حاليا في القاهرة'': أنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 رفعت واشنطن شعار محاربة الإرهاب رغبة منها في الخلط بين ثلاثة مفاهيم وهي '' الإرهاب والاحتلال والاستقرار '' فهي تزعم أن احتلال العراق يستهدف محاربة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في المجتمع الدولي ، وتزعم كذلك أن المقاومة المشروعة التي أكدت عليها مواثيق وقرارات الأمم المتحدة ''إرهابا''.
وأضاف ان ما يزيد من أفول نجم الولايات المتحدة كقطب أحادي في العالم الجديد الخسائر الفادحة التي تتكبدها عسكريا واقتصاديا في أفغانستان والعراق وهو ما دفع وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس ليعلن مؤخرا أن خسائر الولايات المتحدة في العراق خلال خمس سنوات أضعاف خسائره في فيتنام والتي استمرت لمدة عشر سنوات.
تخبط وعشوائية
وأشار إلى أن الاقتصاد الأميركي يواجه أيضا خطر الانهيار بسبب التخبط والعشوائية وعدم القدرة على اتخاذ القرارات والاستخدام السيئ لحاصلات الضرائب والاستثمارات واستخدامها في تمويل المغامرات الأميركية غير محسوبة العواقب وسياستها العشوائية خارج الولايات المتحدة الأميركية.
وشدد القيسي على أن هذه دلالات قوية على فقد الولايات المتحدة لهيمنتها على العالم فالإدارة الأميركية غير رشيدة في قراراتها ، والاقتصاد الوطني بفعل المغامرات والقرارات العشوائية والاهتمام بالجيش يتراجع وهناك عزوف عن الالتحاق بالجيش الأميركي، من المعروف أن الخدمة بالجيش الأميركي غير إلزامية، خوفا من إرسالهم إلى أفغانستان أو العراق والعودة إلى ذويهم جثامين وملفوفين في العلم الأميركي أضف إلى ذلك فشل الولايات المتحدة في لعب أي دور أو اتخاذ موقف مؤثر مضاد للموقف الروسي في أبخاريا واكتفت فقط بالتصريحات التي لم ترق إلى حد التهديد.
صعود قوى جديدة
وأضاف ان ظهور قوى جديدة أخرى أيضا سيكون له دور بارز في تسريع وتيرة إنهاء الهيمنة الأميركية منذ الثمانينات وهناك دعاوى كثيرة لظهور قوى جديدة وهناك روسيا ووجود خطر اتفاق روسي- صيني -هندي وتوقعات أكيدة أن الاقتصاد الصيني سيكون الأقوى عالميا عام 2025 ، مشيرا إلى إنه عبر التاريخ فالإمبراطوريات الظالمة دائما إلى زوال والولايات المتحدة الأميركية لن تجد من يقدم لها يد المعاونة ويكفي أن نعلم أن الولايات المتحدة ارتكبت حوالي 265 اعتداء خارج حدودها.
أما خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو هاشم ربيع ،فيؤكد أن هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على النظام الدولي آخذة في التقلص نتيجة بروز قوى أخرى مثل الصين كعملاق اقتصادي ومن بعدها اليابان وكذلك المارد الألماني وإحياء الدور الروسي خاصة بعد انتهاء عصر يلتسين ومنذ قدوم بوتين وحتى الآن، مشيرا إلى أن هذه تعد مؤشرات تشكل بشكل أو بآخر تحديا للهيمنة الأميركية.
وأضاف ربيع: ان الأمر لم ينته عند ظهور قوى منافسة للهيمنة الأميركية وإنما امتدت أيضا لظهور قوى وتحديات إقليمية مختلفة أخذت مواقف مناهضة للهيمنة والدور الأميركي خاصة أدوار كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وهذه مؤشرات ، كما يقول، تؤكد أن مستوى الهيمنة الأميركية أصبح محدودا إلى حد ما.
دور يضمحل
وقال : أما بالنسبة للمستقبل القريب فإن الدور الأميركي المهيمن آخذ في الاضمحلال بشكل أو بأخر ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو ما أثر ذلك التراجع في الهيمنة الأميركية على منطقتنا وخاصة القضية الفلسطينية والصراع العربي -الإسرائيلي ؟ وأجاب :
في تقديري أنه طالما أن الولايات المتحدة الأميركية لديها دور أو تأثير في المجتمع الدولي فسيستمر الدعم الأميركي لإسرائيل ويستمر التوغل والغطرسة الإسرائيلية وممارستها لدور شرطي المنطقة تحت رعاية الولايات المتحدة الأميركية.
وأشار إلى أن استثمار انخفاض وتراجع الدور الأميركي لصالح القضايا العربية في الصراع العربي الإسرائيلي سيكون محدودا خاصة في ظل إدراك الدول العربية لقوة وهيمنة الدور الأميركي سياسيا وعسكريا واقتصاديا وإدراك الدول العربية لوجود قواعد عسكرية للولايات المتحدة في المنطقة والدول العربية وإدراك أهمية الدور الأميركي في القضايا العربية وإنهاءها الصراع العربي- الإسرائيلي.
الصعود بفعل العولمة
وعلى النقيض من ذلك، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان الدكتور السيد عليوة أن كافة المؤشرات تفصح عن أن الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي أخذة في التزايد منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 وزادت من إحكام قبضتها على المجتمع الدولي مستغلة في ذلك ظاهرة (''العولمة'') التي روجت لها لتحقيق أهدافها بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.
وأضاف أن ذلك لا يمنع من أن الولايات المتحدة تواجه تحديات جديدة غير ما تسميه بالحرب علي الإرهاب وتتمثل هذه التحديات في صعود الصين والقوى الآسيوية الأخرى اليابان والهند والملف النووي الإيراني والصحوة الروسية في القوقاز ومع ذلك فإن القوة الأميركية تتميز بتفوق عسكري استراتيجي وتقني وسطوة اقتصادية عالمية ، إلا أنه رغم هذه التحديات ما زالت الأطراف الأخرى المنافسة مستقبلا مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي تحت مستوى الاستمرار في تحدي الهيمنة الأميركية.
وتوقع عليوة أن تستمر الهيمنة الأميركية على النظام الدولي لنحو عقدين من الزمان اللهم إلا إذا حدث تحول مفاجئ في توازن القوى بسبب تطوير أسلحة الدمار الشامل مثلا أو انهيار اقتصادي شامل في الولايات المتحدة والدول الغربية.
واستبعد عليوة أن تتسبب الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي حاليا في تراجع الهيمنة الأميركية، مؤكدا أنها تعبر عن الأزمة الكامنة في النظام الرأسمالي الذي يقوم على تحقيق الحلم الأميركي في مستوى معيشة ترفي ''مما أدى إلى أزمة عقارية .
ومن ثم أزمة مصرفية ومالية هزت أركان الاقتصاد الأميركي ولكن سرعان ما تدخلت الحكومة بشكل مباشر في الاستحواذ على بعض شركات التمويل العقاري والبنوك المنهارة، معتبرا أن قدرة الاقتصاد الأميركي على مواجهة هذه الأزمة يعد دليلا على أن الولايات المتحدة مازالت تمتلك القدرة على الهيمنة الدولية وتلافي التهديدات المباشرة للاقتصاد الأميركي مستفيدة بالموارد النفطية وسيطرتها على المناطق البترولية حول العالم وكذلك الأرصدة المالية بالدول الأخرى المرهونة بالبنوك الأميركية والغربية والتي تعد بمثابة ''درع'' تحمي الاقتصاد الأميركي من الانهيار.