اعتبر نفسي من دراويش الدكتور يوسف القرضاوي. ولم لا وقد كنت أتوق إلى كتبه منذ الصغر والتهمها التهاما، على نحو جعله يشكل جزءا كبيرا تكويني. اذكر أنني في مرحلة دراستي الثانوية منذ نحو ثلاثين عاما كنت أسير على قدمي عدة كيلو مترات بين فترة وأخري ـ لعدم اعتياد ركوب المواصلات في تلك الفترة المبكرة من العمر بمعايير السبعينات ـ من منزلنا في شبرا بالقاهرة إلى مكتبة وهبة التي تنشر كتبه بشارع الجمهورية في عابدين لشراء كتاب جديد له. بمرور الوقت وجدت نفسي أتبنى أراءه في ''الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا''.

كنت أعتبر كتابه ''الحلال والحرام في الإسلام'' بمثابة دستور يمكن أن يقتدي به المسلم في حياته المعاصرة وأنه يمثل الرؤية الوسطية التي تعبر عن جوهر الإسلام. بهرتني رؤيته حول الحركات الإسلامية في تطورها المعاصر التي قدمها في ''الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف''.

منذ أسبوعين رحت أستشهد في مقال لي بفتواه بشأن اللاصق الطبي المانع للجوع في رمضان والتي اعتبرتها الأكثر مناسبة في مجالها. هذه مقدمة أراها ضرورية كـ ''صك غفران'' أمام نفسي وأمام غيري من دراويش الدكتور القرضاوي ومحبيه على ما سأقوله في السطور التالية.

فقد خرج علينا الشيخ منذ أيام بحوار أقام الدنيا التي لم تقعد بعد على خلفية تحذيره مما وصفه بالمد الشيعي وغزو الشيعة البلاد العربية. هناك محاذير عدة على الخوض في هذا الموضوع، والمشكلة أنه على شاكلة غيره من موضوعات مماثلة لا يمكن أن تدرج معه سوى في خانة ''المع'' او ''الضد''.

ليس مسموحا لك أن تحلق في الأفاق الرمادية أو أن تكون وسطيا على شاكلة ما نجح الشيخ أن يكونه على مدى سني عمره. إن حديث الشيخ يثير بعض التساؤلات حول وروده على هذا النحو وفي هذا الظرف الذي تعيشه الأمة بغض النظر عن صحة ما قاله من عدمه.

لقد قيل الكثير ويمكن أن يقال ما هو أكثر في معرض التعليق على موقف الشيخ، ولكن ما يعنينا في هذه العجالة إبداء التحفظ على موقفه والذي نرى أنه قد يكون جانبه بعض الصواب على الأقل في تحديد المنبر الذي يمكن أن يوجه حديثه من خلاله. لقد راح القرضاوي في معرض تعقيبه على ردود الفعل على حواره يشير إلى موقف صديقه تسخيري نائبه في رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

والسؤال: ألم يكن من الأفضل والحال على هذا النحو أن يثار الأمر بين أصدقاء ومسؤولين في منظمة تقوم على شؤون المسلمين أيا كان مذهبهم، خاصة أن الشيخ، كما يذكر هو عن نفسه عاش حياته كلها يدعو إلى توحيد الأمة الإسلامية وكان على رأس بنود هذا التوحيد التقريب بين المذاهب، والتعاون فيما اتفقنا عليه وأن يعذر كل طرف الآخر فيما جرى الاختلاف بشأنه.

وماذا كان يمكن أن يضير الشيخ لو أنه واصل ما تبقى من عمره أمد الله فيه في مواصلة التمسك بذات المبدأ الذي من المؤكد أن حواره الأخير، بكل المعاني، لن يصب سوى في تفريق الأمة بغض النظر ـ مرة ثانية وثالثة ـ عن حسن المقصد ونبل الهدف.

إن خطورة كلام الشيخ أن القرضاوي، كما راحت مجلة «فورين بوليسي» تصفه، يعد من أكثر ثماني علماء ورجال دين تأثيرا في العالم الإسلامي إن لم يكن على رأسهم. وعلى ذلك ورغم أننا لا نميل إلى التهويل والمبالغة إلا أنه يمكن التأكيد على أن تصريحاته تلك ستعتبر فاصلة في المرحلة المعاصرة للعلاقة بين أبناء مذهبين في إطار الإسلام، وللأسف سيستغلها الكثيرون من أجل ما يمكن اعتباره ''الاصطياد في الماء العكر''.

نقول ذلك انطلاقا من مبدأ أنه لاعصمة لأحد من الخلق بعد رسول الله وأن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم مع كل التقدير لعالمنا الجليل سواء.. أصاب أم أخطأ.

mostafa1962@yahoo.com