أربعة عناصر رئيسية تحدد معالم المرحلة الراهنة من عمر القضية الفلسطينية وترسم ملامحها حتى إشعار آخر. الأول يتمثل في نزوع مختلف شرائح وطبقات المجتمع الإسرائيلي إلى المغالاة والتطرف واليمينية في التعامل مع حقوق الشعب الفلسطيني والانعكاسات السلبية لهذه النزعة على مجمل سياسات الأمر الواقع التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي تمكنت من خلق ظروف يستحيل معها الحديث عن أي إمكانية لحل النزاع العربي- الصهيوني لا على المدى المنظور ولا على المدى المتوسط.

العنصر الثاني يتعلق بنجاح إسرائيل في إنشاء سلطة فلسطينية بقيادة يمينية مهمتها توفير الغطاء القانوني والسياسي والأمني للتوجهات والممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني إلى أن تتمكن الحركة الصهيونية من شطب قضية هذا الشعب بصورة نهائية.

ثالث هذه العناصر يكمن في قناعة السواد الأعظم من الدول العربية بأن الولايات المتحدة تحكم قبضتها على 99% من أوراق المنطقة والعالم، وبالتالي فإنه لا مناص من رفع الراية البيضاء والاستسلام لكل إملاءات الإدارات الأميركية المتعاقبة، التي دأبت على التسابق على تقديم أفضل الخدمات للكيان الصهيوني.

أما العنصر الرابع والأهم فيجسده واقع التطبيع بين الدولة العبرية والبلدان العربية الموقعة على تسويات مع إسرائيل وغير الموقعة على حد سواء، خصوصا بعد أن تم، من جانب واحد، اعتماد خيار السلام العربي العتيد، فاتحا البوابة على مصراعيها وفي كلا الاتجاهين بين عدد من البلدان العربية والكيان الصهيوني، وجعل القيادة الإسرائيلية وعلى رأسها شمعون بيريز.

يعرب عن ارتياحه الشديد بهذا الخصوص معيدا إحياء ذلك الطرح القديم الجديد الذي يدعو إلى قيام حالة من التكامل بين ارتفاع نسبة الذكاء لدى اليهود وامكانيات إسرائيل التكنولوجية من جهة وبين الثروات الطبيعية العربية من جهة أخرى، الأمر الذي سيخلق باعتقاده جنة الله على الأرض.

إن تعاضد هذه العناصر الأربعة، فضلا عن الانقسام الفلسطيني المريع بين ضفة وقطاع وفصيل وآخر، يفضي بالضرورة إلى نتيجة واحدة مفادها انعدام أي مصلحة أو اهتمام من جانب إسرائيل بالسير قدما على درب أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين مهما كان سقفها واطئا.

وانسداد أي أفق أمام الفلسطينيين، بعد أن تكون إسرائيل قد اصبحت في وضع مريح للغاية يحول دون تفكير قادتها في أي جهود سلمية، وبعد أن تجد الدولة العبرية نفسها في حل من أي مسؤولية تاريخية أو ميدانية تجاه بقايا الشعب الفلسطيني، وبعد أن يكون الكيان الصهيوني قد اندمج كليا في منظومة العلاقات التي تجمع بين بلدان المنطقة وأصبح يشكل عمودها الفقري وعقلها المدبر.

على الرغم من طغيان اللون الأسود في صورة الصراع العربي-الصهيوني،لا يزال هناك فلسطينيون وعرب يعربون عن تفاؤلهم ويدلون بدلوهم ويأتون ببدائل وأفكار ومقترحات جديدة قديمة يعتقدون أنها قادرة على طي صفحة ذلك الصراع التاريخي.فلقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن حل لهذا الصراع يقوم على دولة ثنائية القومية في إسرائيل.

مما يوحي بأن المشكلة مشكلة افكار ومقترحات ومبادرات وليست مشكلة تتعلق في المقام الأول برفض إسرائيلي لأي تسوية مع الفلسطينيين، رفض تعززه العناصر الأربعة المذكورة آنفا والتي لا يمكن اغفالها ساعة الحديث عن أي توجه مستقبلي في المنطقة وعن ميزان القوى الراجح بقوة لصالح إسرائيل، بعد أن تمكنت من تجريد العرب من أي أوراق للضغط.

وبعد أن أصبحت إسرائيل شريكة في حماية ربوع الوطن العربي في حين باتت منتجاتها وخدماتها تشكل جزءا لا يتجزأ من مفردات الاحتياجات العربية الرسمية وشبه الرسمية. التطبيع هو مبتغى الدولة العبرية، التي تمكنت من إحراز العديد من الاختراقات المهمة على هذا الصعيد.

حقيقة، على الرغم من صعوبة أن يختلف عليها إثنان، إلا أن بعض الدول والأطراف والشخصيات العربية يبدو أنها لا تأخذ هذه الحقيقة على محمل الجد وربما لا ترى فيها السلاح الوحيد المتبقي بين ايدي العرب، ولا تعي أن كل خطوة في هذا الاتجاه تعني حتما دق مسمار إضافي في نعش القضية الفلسطينية.

bassil@albayan.ae