تعيش ماليزيا هذه الأيام أزمة سياسية تتمثل في المواجهة الدائرة بين تحالف الجبهة الوطنية الحاكم الذي حكم البلاد دون انقطاع طوال خمسة عقود وبين تحالف المعارضة بقيادة أنور إبراهيم. ويضم تحالف المعارضة الذي يرأسه إبراهيم، وهو نائب سابق لرئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، كل من حزب العدالة الشعبي وحزب العمل الديمقراطي صاحب الصبغة الصينية وحزب ماليزيا الكاملة الإسلامي.
وكان هذا التحالف قد حقق مكسباً كبيراً في الانتخابات العامة الأخيرة التي أجريت في مارس الماضي، حيث استطاع أن يحصد 82 مقعداً من أصل 222 مجمل عدد مقاعد البرلمان وهو بحاجة لـ 30 مقعداً أخرى ليحقق الأغلبية في المجلس. وتتهم المعارضة حكومة رئيس الوزراء الماليزي الحالي عبد الله بدوي بالمحسوبية والفساد والتمييز في التعامل مع فئات الشعب التي تنتمي إلى أعراق مختلفة.
وطالب إبراهيم باسم أحزاب المعارضة المتحالفة معه الحكومة بعقد جلسة طارئة للبرلمان من أجل التصويت بحجب الثقة عن الحكومة، ولكن الحكومة قالت إن البرلمان في إجازة بمناسبة شهر رمضان ولن يعود إلى استئناف نشاطه قبل 13 أكتوبر المقبل. وقال إبراهيم في حديث له مع الصحافة إن (أيام عبد الله قد باتت معدودة، فالشعب يريد التغيير بحق.
والناس يريدون المساواة والعدل والديمقراطية الخاضعة للمساءلة أمام الشعب). واشتدت لهجة الاتهامات المتبادلة بين أنور إبراهيم ورئيس الوزراء عبد الله بدوي، حيث وصف بدوي خصمه بالكذاب والدجال اليائس الذي يقطع على نفسه وعوداً فارغة لا يستطيع أن يفي بها. أما إبراهيم فقد قال إن بدوي يخلط القضايا الأساسية الخاصة بالديمقراطية والحرية وحكم القانون مع الأمن القومي.
ووصل التحدي بين الاثنين ذروته بتوجيه بدوي، الذي يعاني من تحديات داخل حزبه وفي أوساط الشعب المستاء من ارتفاع معدلات التضخم، الاتهام إلى إبراهيم بأنه يشكل تهديداً للاقتصاد وربما للأمن، وهو ما اعتبره المراقبون مؤشراً على قرب اتخاذ الحكومة إجراء ضد أنور وفق قانون الأمن الداخلي الذي يسمح بالاعتقال من دون محاكمة لفترات محددة.
ومما زاد من رجحان هذا الاحتمال هو الإعلان عن موعد البدء بمحاكمة أنور إبراهيم بتهمة ممارسة اللواط الموجهة إليه من قبل مساعد سابق له عندما كان نائباً لرئيس الوزراء. ويبدو أن ما يجري في ماليزيا يهم صناع القرار في واشنطن الذين سبق وأن دافعوا عن إبراهيم عندما حوكم وسجن 6 سنوات بتهمة الفساد وممارسة اللواط.
فقد أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً رسمياً علقت فيه على اتهام بدوي لإبراهيم بأنه يشكل تهديداً للاقتصاد والأمن القومي بالقول إن ذلك الاتهام يعتبر (مزعجاً للغاية) وأن واشنطن تنظر (بقلق شديد) لإمكانية استغلال قانون الأمن الداخلي لاحتجاز شخصيات سياسية معارضة.
ومن دون تدخل مباشر من الملك الماليزي سلطان ميزان زين العابدين، الذي يملك السلطة الدستورية لتقرير أين يكمن دعم الغالبية، فإن أنور سيواجه فترة عصيبة حتى انعقاد جلسات البرلمان بعد انتهاء عطلة رمضان والعيد.
وفي هذه الأثناء، يتعرض لهجوم لا يرحم يستهدف النيل من مصداقيته من قبل وسائل الإعلام المملوكة للدولة ولأحزاب الموالاة التي تنعته بالمحتال والمخادع والمتقلب سياسياً في مسيرة حافلة بدأها كزعيم طلابي إسلامي قبل أن يصبح نائب رئيس الوزراء ثم يتحول بعد ذلك إلى إصلاحي ليبرالي.
يدرك أنور أن هناك مصاعب ومخاطر تعترض طريق وصوله إلى السلطة في ماليزيا، ولكنه في الوقت نفسه يدرك تماماً أن الظروف الراهنة في البلاد تسير لصالحه فالشعب يرى أن بدوي لم يعد يصلح لقيادة دفة البلاد.
فقد خيب آمال من هللوا لقدومه بعد اعتزال مهاتير محمد الحياة السياسية حيث يؤخذ عليه الإنفاق الكبير على مشروعات غير مجدية وخلافاته مع دول غربية ومهاجمته للاستقلال القضائي وترهيبه لمنتقديه، الأمر الذي دفع بأعضاء حزبه حتى إلى المطالبة بتنحيه وتسليم السلطة لنائبه.
ضرار عمير