أخذ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي زمام المبادرة بمد نظره الثاقب إلى الآفاق الملبدة بغيوم أزمة الائتمان الأميركية لاستشراف تداعياتها على الاقتصاد الإماراتي ، ووضع سموه يده على كبد الحقيقة باستبعاد أي تأثيرات سلبية تطاول اقتصاد الإمارات .

وبدا جليا أمام المراقبين أن المقولة التي كانت رائجة في يوم من الأيام والقائلة ان الاقتصاديات العالمية تصاب بوعكة برد قاسية بمجرد إصابة الاقتصاد الأميركي بالزكام غير ممكن إطلاقها بعواهنها على الاقتصاد الإماراتي . فرغم استفحال أزمة الائتمان الأميركية ، وتفاقم تداعياتها على أسواق المال بطلب بنك ليمان براذرز الحماية من الدائنين ، ووقوع شركة إيه آي جي عملاقة التأمين تحت سيطرة الحكومة الأميركية ، إلا أنه في المقابل ، أظهرت المؤشرات الاقتصادية أن الاقتصادي الإماراتي يتمتع بكامل لياقته وعافيته .

وقد ثارت تساؤلات بين المهتمين و المراقبين في دول مجلس التعاون الخليجي وفي الإمارات خصوصا حول إمكانية انتقال الأزمة إلى أسواق المنطقة وكيفية التصدي لها إذا ما حدث ذلك ، وذلك في ظل العولمة بشكل عام وعولمة الأسواق المالية على وجه الخصوص، واجتهد المحللون في تسليط الضوء على أسباب وتداعياتها على الأسواق المالية، وتقييم المخاطر الناجمة عن انتقالها إلى الأسواق الخليجية، وسياسات وإجراءات التخفيف من آثارها.

ثقل الاقتصاد الأميركي

وقد نهض مثل هذا الاهتمام من جانب الباحثين والمحللين استنادا إلى واقع مفاده أن الولايات المتحدة تشكل ثقلا مهما في صيرورة الأوضاع الاقتصادية بالإمارات التي حافظت حتى الآن بعلاقة الربط بين عملتها والدولار الأميركي .

حيث ما زالت الولايات المتحدة تشغل مكانة القطب الرئيسي على صعيد الاقتصاد العالمي ، بمساهماتها بنحو 30 % من إجمالي الناتج العالمي ، وحوالي 20 % من مقياس تعادل القوة الشرائية الذي يأخذ في الحسبان معدلات التضخم وأسعار الصرف ، وذلك بالرغم من تعرض مكانتها للتراجع بفعل النمو السريع لاقتصاديات كل من روسيا والهند والصين والتي تتجاوز حصتها مجتمعة في الإنتاج العالمي حصة الولايات المتحدة .

مع ذلك ، ما زال حجم المشكلة غير معروف ، كما أنه من غير المعروف موعد انتهاء هذه الأزمة ، ويتمثل مبعث القلق في صناديق التحوط ، نظرا لاعتياد هذه الصناديق على الانخراط في استراتيجيات استثمارية بالغة التعقيد ، حيث أصابت الأزمة بالفعل بعض صناديق التحوط العالمية في الشركات الاستثمارية الكبرى على غرار( بير ستيرنز) و( سيتي جروب ) و(جولدمان ساكس ) .

كما طالت تأثيراتها شركات العقارات المستقلة في الولايات المتحدة ، من بينها ، شركة ( هوم ديبوت) التي سجلت أرباحاً ربعية أقل بسبب تأثرها بسوق العقار ، بل شعرت شركات المعادن والتعدين الأقل ارتباطا بسوق العقارات بتأثيرات هذه الأزمة .

واستنادا إلى إحصائيات المصرف المركزي الإماراتي ، يتبين ان انكشاف البنوك الإماراتية على القروض العقارية ما زال يقع تحت النسبة المحددة، حيث تتوزع هذه القروض ما بين قروض أفراد بنسبة 2. 41% من مجموع القروض العقارية، وقروض شركات بنسبة 3. 29% وقروض مطوري عقارات بنسبة 5. 29%.

فضلا عما سبق ، يمتلك القطاع المصرفي في الدولة حالياً أدوات تمكنه من التعامل بكفاءة مع الآثار الناجمة عن الأزمة خصوصاً وان البنوك المحلية تتمتع بقدرات مالية عالية وهي قادرة على توفير الموارد اللازمة لتمويل الإقراض من خلال زيادة رأس المال الذي يجعلها تتوسع في منح القروض دون الحاجة إلى الاعتماد على توفير مواردها من الأسواق العالمية بالدولار.

لكن هناك وجهاً آخر لآثار الأزمة يتمثل بالشركات التي تحصل على الأموال بالعملات الأجنبية وبعض هذه الشركات مدرجة في أسواق الأسهم وبالتالي فإن تأثرها السلبي بتراجع موارد التمويل العالمية يمكن أن يترك انعكاساته على الأسواق المالية المحلية .

ورغم ذلك يسود اعتقاد لدى البعض بأنه إذا ما كانت هناك أية تأثيرات محلية ، فإنها ستكون محدودة وأنه يمكن أن يشعر بها كل من المؤسسات والأفراد الأثرياء الذين يستثمرون في محفظة الرهون العقارية العالية المخاطر ، أو الأدوات المالية ذات الصلة .

ويتمتع الاقتصادي الإماراتي بحصانة إزاء تداعيات أزمة الائتمان الأميركية ، وهو ما يعود إلى اختلاف سوق العقار في الإمارات تماما عن نظيره الأميركي كما أن المؤشرات التي يتأثر بها مؤشرات حساسة للغاية ، وبالتالي ، فإن التأثيرات التي يتعرض لها الاقتصاد الأميركي ليس من الضروري أن تنتقل إلى الاقتصاد المحلي أو الاقتصاديات الأخرى المجاورة.

وأيضا ، توصف قروض الرهون العقارية في أميركا بأنها قروض عالية المخاطر ورديئة أما قروض الرهون العقارية في الدولة فهي قروض ممتازة منخفضة المخاطر حيث لا تمنح للعميل إلا بعد التأكد من مستوى دخله وخلفيته الائتمانية ومقدرته على الإيفاء بسداد الأقساط إضافة إلى دراسة موقع الوحدات الممولة والتأثيرات المحيطة بها .

كما أن هناك سببا آخر وهو أن السوق العقارية المحلية سوق ناشئة وواعدة وليست سوقا متقدمة كالأسواق الأميركية إضافة إلى أن زيادة الطلب على الوحدات السكنية يحافظ على نمو هذا القطاع لسنوات عدة مستقبلا .

وبمقدور المستثمرين والتجار استخلاص دروس عديدة من هذه الأزمة في مجالات أربعة رئيسية وهي الحاجة إلى تسعير المخاطر بشكل ملائم لتشمل من حيث الواقع كل من الإصدارات السائلة والائتمانية، واعتماد مستويات عالية من الحصافة فيما يتعلق بالاستثمار في صناديق التحوط من المخاطر، وتبني نهج يقوم علي المزيد من الشفافية والتنويع في طريقة تسعير وتداول مشتقات أدوات الدين المورقة في أسواق المال .

حالة عدم يقين

وفيما تسود أسواق المال العالمية حالة من انعدام اليقين ، أظهر قطاع العقارات في الإمارات قدرة كبيرة على مقاومة هذه الموجة ، وذلك بحسب آراء الاقتصاديين . وقدرت مؤسسة موديز، المتخصصة في وضع التصنيفات الائتمانية، في إطار تعليقها على العشرين بنكا من منطقة الخليج العربي الذين يشملهم تصنيفها: تتمثل نتيجة بحثنا الرئيسة في أن الأغلبية العظمى من البنوك ليس لها أي علاقة بأزمة القروض الأميركية.

أو أن علاقتها محدودة للغاية، ونعتقد بأن أية مخاطر قد تحملها هذه الأزمة قابلة للتعامل معها، حيث ان حجمها صغير للغاية في هذه الدول. وأكدت مؤسسة موديز تصنيف إعمار الائتماني (ء3) والذي منحته إياه في يوليو الماضي قائلة في هذا الوقت يعتبر التصنيف ثابتا وليس هنالك أي أمر يدعو لتغييره .

وقدرت دراسة أجرتها مؤسسة (ميريل لينش) العالمية أن أسواق الرهن العقاري في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ستشهد نمواً متزايداً لأسباب جوهرية عدة، تتمثل في زيادة نسبة الشباب بين السكان وتوفر الوحدات السكنية بشكل واسع وتوفر آليات التمويل الإسكاني الضرورية بشكل أكبر من ذي قبل.

وشملت الدراسة، أسواق السعودية والإمارات والبحرين وقطر ومصر والمغرب وتونس وجنوب افريقيا. كما شملت الدراسة بيانات عن 12 اقتصاداً آخر في وسط وشرق أوروبا. وأشارت إلى إمكانات النمو الكبيرة في قطاع تمويل الإسكان بمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ووسط وشرق أوروبا، وبصورة خاصة لشريحة كبيرة من سكان المنطقة الذين يتراوح مستوى دخلهم بين المنخفض والمتوسط .

وفي السياق ذاته ، استبعد ريتشارد جيبز كبير الاقتصاديين الاستشاريين في بنك أبو ظبي التجاري تأثر العوامل الهيكلية المتضمنة في الطلب القوي على العقارات في الإمارات بالمتاعب والمصاعب التي تسود الأسواق المالية والناجمة عن مخاطر الائتمان في كل من الأسواق الصاعدة والمتقدمة على حد سواء .

وخلص ريتشارد جيبز في معرض تقييمه لقطاع العقارات في الإمارات إلى استنتاج مفاده أنه من المهم الإقرار بأن المستثمرين العالميين اكتشفوا على نحو سريع فضائل الاستثمار في العقارات الصناعية والسكنية والتجارية ، بوصفها من فئات الأصول ذات القيمة المضافة.

والأكثر من ذلك ، يحظى القطاع ؟ والكلام ما زال له - بالكثير من العوامل المعززة والداعمة ، ويبرز من بينها تسارع النمو السكاني، ونمو معدلات التوظيف . إلى جانب توسع قطاعات الخدمات المالية والأعمال ، وتحرير قوانين تملك الأجانب للعقارات ، وعجز المعروض من العقارات السكنية والتجارية ، والتطور المستمر في مشروعات الإنشاءات الضخمة .

وخلص ريتشارد جيبز إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن الاقتصاديات الخليجية ليست موردة صافية للمدخرات والائتمان لأسواق المال العالمية ، ويعني استمرار أسعار النفط المرتفعة أن اقتصاديات هذه الدول ستظل محتفظة بفوائض موازناتها واحتياطياتها الجارية.

وتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة مجلس التعاون الخليجي نموا قويا نسبته 6% بالمقارنة مع معدل نمو بلغ 5. 6% في عام 2006 ، وقدر بأن يكون الاقتصاد الإماراتي في صدارة قائمة الاقتصاديات ذات الأداء القوي، بتحقيق معدل نمو في عام 2007 يتجاوز 5. 8% بالمقارنة مع معدل نمو في عام 2006 بلغ 4. 9 %، مضيفا أن النمو السريع واصل ضغوطه على جانبي الطلب والأسعار في اتجاه المزيد من الصعود .

ويعتقد جيبز أن صانعي السياسات في دول مجلس التعاون الخليجي سيعززون بقوة مكانة المنطقة على خريطة أسواق المال العالمية عن طريق مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير أسواق مال تنافسية تتميز بالكفاءة والشفافية، وتعزز الدلائل من المملكة المتحدة واستراليا بوضوح الفوائد الضخمة والمنافع الضخمة التي تتدفق من قطاعات أسواق المال المزدهرة والمتوسعة إلي كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى .

وقد أظهر المؤشر المركب لأسواق الأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي - بحسب جينز - أن صانعي السياسات في دول مجلس التعاون الخليجي سيعززون بقوة مكانة المنطقة على خريطة أسواق المال العالمية عن طريق مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير أسواق مال تنافسية تتميز بالكفاءة والشفافية، وتعزز الدلائل من المملكة المتحدة واستراليا بوضوح الفوائد الضخمة والمنافع الضخمة التي تتدفق من قطاعات أسواق المال المزدهرة والمتوسعة إلي كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى.

إضاءة

رغم استفحال أزمة الائتمان الأميركية، وتفاقم تداعياتها على أسواق المال بطلب بنك ليمان براذرز الحماية من الدائنين، ووقوع شركة إيه آي جي عملاقة التأمين تحت سيطرة الحكومة الأميركية، إلا أنه في المقابل، أظهرت المؤشرات الاقتصادية أن الاقتصادي الإماراتي يتمتع بكامل لياقته وعافيته.

ورغم ذلك يسود اعتقاد لدى البعض بأنه إذا ما كانت هناك أية تأثيرات محلية، فإنها ستكون محدودة وأنه يمكن أن يشعر بها كل من المؤسسات والأفراد الأثرياء الذين يستثمرون في محفظة الرهون العقارية العالية المخاطر، أو الأدوات المالية ذات الصلة.

مجدي عبيد