انهيار في البورصات العالمية والعربية ، وتراجع مثير في أسعار البترول الخام ومشتقاته ، وانخفاض أسعار الدولار الأميركي أمام العملات العالمية والمحلية، وتوقف الصادرات في ظل حالة من الكساد العالمي، وتراجع السياحة العالمية وحجم الاستثمارات الأجنبية ..
لدهشة للوهلة الأولي تكاد تذهب بعقول ''العامة'' الذين لا يدركون الأسباب الحقيقية لهذه الحالة التي تهز الاقتصاديات العالمية أما (المتخصصون) فقد أرجعوا ذلك إلي النظام العالمي الجديد المعروف ب''العولمة''والذي أدي إلي ارتباط وترابط العالم أكثر من اللازم للدرجة التي تنهار فيها الاقتصاديات العالمية بعد وقوع الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية. في البداية ، يؤكد أستاذ الاقتصاد ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية الأسبق الدكتور حمدي عبد العظيم على أن الأزمة المالية التي ظهرت مؤخرا في الولايات المتحدة الأميركية ترجع أساسا إلى أزمة الرهن العقاري نتيجة توسع البنوك في تمويل مساكن صغار الموظفين بناء على تعليمات الرئيس الأميركي جورج بوش ، إلا أنه نتيجة تعذر وفاء الموظفين بالتزاماتهم المالية وسداد مستحقات البنوك من القروض بدأت المشكلة تتبلور بشكل كبير.
وأضاف أنه بعد تعثر الموظفين في سداد أقساط القروض عليهم لجأت البنوك إلى بيع المساكن التي كان من المفترض أن يحصل عليها صغار الموظفين، إلا أنه نتيجة حالة الكساد التي تسيطر على سوق العقارات في الولايات المتحدة الأميركية لم تستطع البنوك الحصول على مستحقاتها .
مما دفعها للاستغاثة بالبنك المركزي الأميركي الذي عمد إلي ضخ 17 مليار دولار في بداية الأزمة وانتقلت الأزمة أيضا إلى أوروبا مما اضطر البنك المركزي الأوروبي أيضا إلى ضخ 20 مليار دولار ، كما ضخ البنك المركزي اليابانى 14 مليار دولار واستمرت البنوك المركزية في ضخ مليارات الدولارات .
أبرز مظاهر الأزمة
وأشار عبد العظيم إلى أنه كان من أبرز مظاهر الأزمة المالية الطاحنة في الولايات المتحدة الأميركية إفلاس رابع أكبر بنك في الولايات المتحدة الأميركية وهو بنك (ليمان براذرز) والذي يتعلق جل نشاطه بالاستثمار العقاري بالإضافة لذلك فقد شهدت أسهم البنوك وشركات التمويل العقاري والتأمين والمقاولات ببورصة (وول ستريت) انخفاضاً كبيراً كما انتقلت الأزمة من بورصة وول ستريت إلى بورصات أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية .
وقال عبد العظيم :إن المشكلة تكمن في أن عدداً كبيراً من العرب يستثمرون أموالهم في بورصة وول ستريت وفي البورصات الأوروبية والآسيوية وبعد هذه الهزة العنيفة التي تعرضت لها البورصات العالمية وجد العرب المستثمرون في هذه البورصات أنفسهم مضطرين لبيع أسهمهم والتنازل عن استثماراتهم بالبورصات العربية بهدف تعويض خسائرهم في البورصات العالمية خاصة الأميركية الأمر الذي أدى إلى انخفاض مؤشر البورصات العربية بشكل كبير وإن كان متفاوتاً.
تراجع البورصات العربية
ونوه إلى أن بورصة القاهرة على سبيل المثال قد سجلت انخفاضا في اليوم الأول للأزمة بلغ 5.5 فى المئة، وفى اليوم الثاني سجل المؤشر تراجعا قدر بنحو 4.7 فى المئة ، كما أنها شهدت انخفاضا في 141 سهما من بين 151 سهما.
ورغم أن المؤشرات تؤكد استمرار الأزمة إلا أن البورصة المصرية أخذت في التحسن علي اعتبار أنها تعتمد على الاستثمارات المحلية بنسبة عالية أكثر من اعتمادها علي الاستثمارات العربية والأجنبية ، وأيضا نظرا لتحديد البورصة المصرية لحدود دنيا وقصوى للهبوط والصعود لضمان الحفاظ على استقرار البورصة وعدم تعرضها لهزات قاتلة والتأثر بالأزمات العالمية بشكل كبير.
ونوه أيضا بالإضافة إلى ذلك، الانعكاسات الخطيرة التي صاحبت الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية مثل الانخفاض الكبير لسعر البترول لما دون المئة دولار ليصبح سعر برميل البترول 93 دولارا وهو ما أدى إلى تكبيد العرب وخاصة الخليجيين خسائر فادحة من عائدات البترول.
كما أن الأمر انعكس أيضا على الانخفاض الحاد في سعر الدولار مقارنة بالعملات الأجنبية وخاصة اليورو والإسترليني والين وهو ما يعني انخفاض قيمة الاستثمارات العربية في الولايات المتحدة والعالم التي يتم التعامل فيها بالدولار .
وهو ما يعني أيضا انخفاض القوى الشرائية العربية ، كما أن الخسائر العربية تظهر واضحة في إقبال الكثير من العرب على المضاربات في العقارات والبورصات العالمية وخاصة الأوروبية والأميركية وهو ما أدى إلى انهيار سوق العقارات بالتبعية في دول الخليج .
وانتهى أستاذ الاقتصاد ورئيس أكاديمية السادات الأسبق الدكتور حمدي عبد العظيم الى التأكيد على أن تأثير الأزمة المالية الأميركية شامل للعالم بأكمله وإن اختلف من منطقة لأخرى مضيفا أن منطقة الخليج من بين المناطق المتضررة بالأزمة لأن هناك -على حد وصفه - مزيجاً أو سلة خسائر ما بين سقوط البورصات .
وانهيار أسعار البترول وتراجع سعر الدولار وتأثر المصارف الخليجية لتعاونها الكبير بالبنوك الأميركية وتضرر الاستثمارات الخليجية خاصة في مجال العقارات والرهن العقاري على عكس مناطق أخرى وخاصة مصر التي لم تتأثر إلا في مجال البورصة فقط ، مشيرا إلى أن الخروج من هذه الأزمة سيتطلب بعض الوقت ربما حتى بداية العام المقبل حتى تبدأ هذه الاقتصاديات فى التعافي من هذه الأزمة.
لا داعي للقلق
ومن جانبه يرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية بالقاهرة الدكتور جلال أمين أن سقوط اثنتين من كبرى الشركات المالية في الولايات المتحدة الأميركية لابد وأن تثير المخاوف الشديدة من تكرار أزمة 1929 التي حدثت في العالم الغربي لتنشر الكساد في أنحاء العالم المتقدم والمتخلف علي السواء مثلما حدث في ثلاثينات القرن الماضي .
وأشار إلى أنه مع هذه المخاوف الشديدة فإن هناك عاملين يقللان من درجة التشاؤم أولهما أن الدول الرأسمالية قد تعلمت الدرس جيدا من أزمة الثلاثينات فلم يعد هناك شك في أنه في مثل هذه الحالات لابد من تدخل الدولة وهو ما بدأ يحدث بالفعل فيما اتخذه جهاز الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة الأميركية من إجراءات لمنع الأزمة من التفاقم .
وقال: إن العامل الثاني يتمثل في أنه في ظل عصر العولمة تتشابك المصالح الاقتصادية بين الدول بدرجة أكبر بكثير مما كانت عليه خلال أزمة الثلاثينيات ، مضيفا :صحيح أن هذا يجعل الأزمة تمتد بسرعة وبدرجة أكبر من دولة لأخرى إلا أن العولمة من شأنها أيضا أن تجعل الدول أكثر استعدادا للتعاون فيما بينها لوضع حد لهذا التدهور قبل انتشاره.
وحول مدى تأثر الدول العربية بالأزمة في الولايات المتحدة الأميركية، قال الدكتور جلال أمين : لابد أن تتأثر الدول العربية بتلك الأزمة الأميركية من عدة نواح أكثر من تأثرها بأزمة الثلاثينات، فالبترول العربي لم يكن يلعب في حقبة الثلاثينات دورا مهما على الإطلاق.
كما هو حاله الآن وقد بدأت أسعاره بالفعل الآن في الانخفاض، مشيرا إلى أن موجة التشاؤم التي تحدثها الأزمة لابد وأن تؤثر في حركة الاستثمارات الأجنبية الخاصة تأثيرا سلبيا بما في ذلك معدل الاستثمار الأجنبي في البلاد العربية التي تحتاج وبشدة إلى هذه الاستثمارات.
تأثيرات متبادلة
ونوه أمين إلى أنه إذا ما أدت تلك الأزمة المالية الى تعمق الكساد في الولايات المتحدة الأميركية فلابد أن ينعكس ذلك على تدهور الطلب على الصادرات العربية في السوق الأميركية وخاصة فيما يتعلق بالبترول والبتر وكيماويات والمنسوجات والسياحة وغيرها .
ناهيك بالطبع عن الخسائر المتوقعة للاستثمارات العربية في فوائض البترول مما يصعب من تقدير حجم هذه الخسائر الآن. وأشار أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية بجامعة القاهرة الدكتور جلال أمين الى أنه لا أحد يتمنى أن تطول الأزمة الأميركية أو تزداد عمقا فكلنا في مركب واحد.
سوء إدارة
وبدوره، أكد رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب(البرلمان المصري) ووزير الاقتصاد الأسبق الدكتور مصطفى السعيد على أن الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأميركية ناجمة في الأساس عن سوء إدارة الائتمان العقاري في الولايات المتحدة والتوسع فيما يسمي ب(المشتقات) .
حيث أصبحت الأوراق التي تتداول بالنسبة لائتمان واحد لأكثر من ورقة ولأكثر من بنك وأدى التوسع فيه للوصول إلى جهات وأشخاص غير جديرة بالائتمان وأصبحت البنوك غير قادرة على تحصيل منتجاتها وكانت النتيجة أن ظاهرة المشتقات هذه انتقلت من شركة لأخرى وانتقل الفشل من بنك لأخرى حتى تحولت إلي ظاهرة وأزمة متفاقمة .
وأضاف السعيد: انه كان من الطبيعي أن تنتقل هذه الأزمة إلى البورصات العالمية بما في ذلك البورصات العربية نظرا لأن المستثمرين بالبورصات العربية لهم مساهمات واستثمارات عالمية وكانت النتيجة أن هؤلاء المستثمرين قاموا بعرض أسهمهم وأوراقهم المالية بالبورصات العربية للبيع لتغطية خسائرهم في البورصات الأميركية والأوروبية مما أدى إلى زيادة المعروض في البورصات العربية وانهيار مؤشراتها .
وأوضح السعيد أن التعافي من هذه الأزمة المالية يتوقف على قدر الإجراءات التي تتخذها الإدارة المالية والنقدية في الولايات المتحدة والدول المتأثرة وخاصة من جانب البنوك المركزية وقد بدأت بالفعل البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان في اتخاذ إجراءات سريعة لمواجهة الأزمة وقد بدأت البورصات العربية بالفعل تحقيق شيء من الاستقرار في مؤشراتها وحجم الاستثمار بها.
إجراءات للعلاج
يذكر أن وزير الخزانة ورئيس مجلس الاحتياط الاتحادي البنك المركزي الأميركي هنري بولسون كان قد عرض مؤخرا الإجراءات الرامية إلى احتواء الأزمة على مجموعة من قادة الكونغرس الأميركي حيث تعتمد الخطة الجديدة على تدخل واسع النطاق في الأزمة والتخلي عن الطريقة المتبعة منذ بدايتها صيف 2007 والتي كانت تكتفي بالتدخل الخاطف لانقاذ مؤسسة ما من الانهيار.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية في إطار تلك الخطة أنها ستقوم بجمع 100 مليار دولار من خلال إصدار سندات لمساعدة الاحتياطي الفيدرالي في جهوده لإحلال الاستقرار في الأسواق. وفي الإطار ذاته تعهد الرئيس الأميركي جورج بوش بالمزيد من الإجراءات التي وصفها بالصارمة من جانب الحكومة الفيدرالية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية الراهنة في محاولة لطمأنة كل من مستثمري وول ستريت والشعب الأميركي باستقرار الاقتصاد الأميركي.
إضاءة
تكمن المشكلة على المستوى العربي حسبما يؤكد الدكتور حمدي عبد العظيم في ان عددا كبيرا من العرب يستثمرون أموالهم في بورصة وول ستريت وفي البورصات الأوروبية والآسيوية وبعد هذه الهزة العنيفة التي تعرضت لها البورصات العالمية وجد العرب المستثمرون في هذه البورصات أنفسهم مضطرين لبيع أسهمهم والتنازل عن استثماراتهم بالبورصات العربية بهدف تعويض خسائرهم في البورصات العالمية خاصة الأميركية الأمر الذي أدى إلى انخفاض مؤشر البورصات العربية بشكل كبير وإن كان متفاوتاً.
القاهرة - البيان