ما لا جدال فيه، أن حرب إدارة الرئيس بوش على الإرهاب؛ أخفقت في هزيمة هذا الأخير. ناهيك بتجفيف منابعه، كما سبق وتوعد الرئيس الأميركي؛ عند إعلانه هذه الحرب قبل سبع سنوات. ولايته أشرفت على نهايتها، من غير تحقيق هدفه. حصيلة يجمع عليها المراقبون. والأميركيون منهم بالتحديد. بل يكادون يجمعون، أيضاً، على أن العكس قد تحقق.
تمدّد الإرهاب أكثر وتوسّعت رقعته؛ ولو أنه شهد انكفاءات في بعض الساحات. حضوره ما زال ملحوظاً وازداد خبرة وتمرساً. صحيح أن هذه الحرب كفلت عدم تكرار 11 /9، ولا أي عمل إرهابي آخر؛ فوق الأراضي الأميركية.
وهذا أضعف الإيمان. لكن ما عدا ذلك، لم تلق حملته غير التعثر والفشل. ولا يعود ذلك إلى وسع قاعدة الإرهاب وتنامي التأييد والاحتضان له والتعاطف مع مجموعاته. ولا أيضاً لكون جبهة معاداة الإرهاب، على الساحة الدولية قد تقلّصت، أو أصابها الضمور. هو يعود، في الأساس، إلى المقاربة المعطوبة؛ التي اعتمدتها الإدارة، لخوض هذه الحرب؛ والتي أدّت إلى نتائج عكسية وابتعاد الكثيرين عن الانخراط فيها.
من البداية، حكم التعميم، نظرة الإدارة لهذه الحرب؛ بدلاً من الحصرية. تصرّفت وكأن كل العرب، أساساً، والمسلمين؛ وليس منظمات معينة، في خانة المتهمين.
شمل ذلك الأفراد والدول، إلى حدّ بعيد. فكان أن موجة التضامن الكاسح، مع واشنطن، التي أعقبت الزلزال الإرهابي؛ سرعان ما بدأت تتراجع. دائرة التوجّس، أخذت تتوسع. واستطرد أخذ حبل التعاون يتراخى، مع الإدارة؛ في حرب يشكل تعاون الآخرين في خوضها، أحد أهم شروط نجاحها.
ثم جاء غزو العراق، بملابساته المفتعلة المعروفة، ليؤكد التوجسات ويزيد بالتالي من وتيرة الابتعاد عن حرب، أخذت من الإرهاب عنواناً لتحقيق أغراض وغايات إقليمية، أبعد وأخطر من مطاردة الإرهاب؛ تحت مسمى ( الفوضى الخلاّقة).
ولا يقل سلبية عن التعميم، أن الإدارة دخلت هذه الحرب وهي متمسكة أكثر من أي وقت مضى بازدواجية المعايير؛ في التعامل مع الإرهاب. ما تقوم به إسرائيل، مفهوم ومبرّر. بل يحظى بالحماية الأميركية التامة. احتلال، حصار، جدار، قضم أراضي واستيطان وتهويد وحواجز واغتيالات وتجويع... كله لا يستوقف واشنطن.
أما إذا تحرك الفلسطيني بضربة حجر، نحو جندي الاحتلال، فهو إرهابي. ترافق ذلك مع إسقاط كامل من اهتماماتها، للمفاوضات والعملية السلمية؛ وترك الحبل على غاربه لإسرائيل وسياساتها العدوانية. بذلك ازداد افتضاح أمرها بأنها حرب انتقائية، تحت يافطة الإرهاب العريضة.
زاد من أعطاب هذه الحرب، أن إدارة الرئيس بوش رفضت كافة الدعوات لوضع تعريف محدّد للإرهاب. أصرّت على تعريفها الاستنسابي، المشتق والمتطابق مع التوصيف الإسرائيلي. تل أبيب سبق وأطلقت تعبير (إرهابية) على منظمة التحرير الفلسطينية؛ قبل عقود. هو تصنيف ولا يدخل في باب التعريف.
له أكثر من وظيفة. عملت إسرائيل على ترويجه، واعتمدته معها واشنطن، لتشويه صورة المنظمة وعزلها وتأليب الرأي العام والحكومات ضدّها. استخدم كوصمة وكسلاح، لتدمير الخصم سياسياً .
صار بضاعة جاهزة، غبّ الطلب، في معارك إسرائيل وواشنطن. جرت محاولات كثيرة، لعقد مؤتمر دولي تكون مهمته وضع تعريف محدّد للإرهاب؛ يصار إلى اعتماده كأساس في التعامل مع الجهات التي تمارسه؛ بحيث يتوفر الإجماع في التصدّي والعقوبات.
الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، سعى لهذا الغرض وحسم الالتباس في تحديد الإرهاب. لكنه أصيب بالإحباط. واشنطن أفشلت مسعاه. الأمين العام الحالي، مون، جدّد السعي.لم يتيسّر له أكثر من عقد (ندوة)، في 9 الجاري؛ لضحايا الإرهاب، وليس لتعريفه.
وحتى في مثل هذه الندوة اليتيمة، لم يسمح لأحد من ذوي ضحايا الاحتلال الإسرائيلي، من الفلسطينيين، بالحضور. إدارة بوش لا تريد أي توافق دولي حول تعريف الإرهاب، كي لا تخسر حرية تلبيس طربوش هذه الآفة لمن تشاء ومن ثم أبلسته واستهدافه. التعريف من شأنه تحديد الإرهاب بالفعل. هي تريد تحديده بالجهة. بذلك يتحقق لها التصنيف الانتقائي.
لا خلاف أن الإرهاب ظاهرة قائمة. كما لا خلاف بأنه داء خطير لا بدّ من مواجهته ومحاربته. لكن حرب بوش عليه كانت عوجاء ومغرضة. المنطلق خاطئ. وكان من الطبيعي أن يكون المردود عكس المطلوب.