مع اتساع رقعة انتشار الخطاب العقائدي وسطوته واستشراس الشركات الاحتكارية الكبرى حول العالم، لم يعد مفهوم الأمن القومي يقتصر على قدرة الدولة على حماية أراضيها من التهديدات الخارجية أو على ميادين مثل التسلح وتوسيع رقعة النفوذ وسلب سيادة قوميات أخرى وشن حروب واحتلال أراضي الغير وإقامة قواعد عسكرية خارج البلاد وتفعيل قدرات الأجهزة الأمنية والاستخبارية والسيطرة على وسائل الإعلام.
بل تجاوز كل ذلك وتشعب بطريقة جنونية لا تستثني حتى نشر الأوبئة والمجاعة والتشريد إلى درجة أن موت طفل من الإسهال في شمال بحر الغزال في السودان أو آخر عراقي من جرثومة الكوليرا أو ثالث في غزة جراء نقص الدواء والغذاء أصبح جزءا من ذلك المفهوم وضرورة تكتيكية تفرضها استراتيجيات أصحاب الياقات البيضاء.
حتى أطفال بلدان القارة السمراء لا يستثنيهم هذا المفهوم،الذي تحول إلى دجاجة تبيض ذهبا يصب في جيوب المتربعين على عرش المراكز الاحتكارية والشركات التابعة لها المنتشرة في جميع أرجاء العالم، فهناك من يعتقد أن مفردات مثل الأوبئة والكوارث والجفاف والمجاعة والعطش والمرض والموت تشكل جزءا لا يتجزأ من القاموس السياسي الذي انبثق عنه ذلك المفهوم الخاص بالأمن القومي.
قراءة مدى تردي حالة الضمير الإنساني إلى هذا المستوى تشي بأنه ما كان لهذا الواقع المزري أن يرى النور لولا سيطرة مفاهيم رأسمالية ميثولوجية على عقول المسيطرين على زمام الأمور والمتحكمين بحنفيات الدواء والغذاء في الدول الغربية، التي لا يحق لسكانها، الذي يعتبرون أقليات مقارنة مع سكان دول أخرى في آسيا أو افريقيا، الاستئثار بحصة الأسد من الثروات التي تقدمها الطبيعة للإنسان.
تلك المفاهيم قديمة جديدة اعتقد البعض أنها أصبحت جزءا من ماض إنساني غير مأسوف عليه،لكن مجريات الأحداث وانتشار الكوارث والأوبئة ( الطبيعية) في غير بقعة من العالم وإدارة الظهر لها تشير إلى انبعاثها مجددا وبوتيرة أشد وأسرع مما كانت عليه في زمن الباحث الإنجليزي توماس مالتوس، الذي تقوم نظريته السكانية على الإدعاء بأن عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية بينما يزيد الإِنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية مما سيؤدي حتماً إلى نقص الغذاء والسكن.
نظرية مالتوس السكانية ظلت معتمدة لفترة طويلة بين الاقتصاديين في العالم، وأدت إلى حدوث كوارث إنسانية، حيث اتخذت مبررًا للإبادة الجماعية لكثير من الشعوب، وأجبر أبناء بعض العرقيات المضطهدة كالسود والهنود في أميركا على إجراء التعقيم القسري. يبدو أن اتباع مالتوس تكاثروا في زمن هيمنة الشركات الكبرى على العالم وتحكمها بكيفية الاشتغال بمبدأ الندرة والوفرة، التي يقوم عليها اقتصاد سوق لا يرحم فقيرا ولا يسعف محتاجا، عملا بالمثل الشعبي القائل :( الغائب لا ينول والنائم غطوا وجهه).
إذا أخذنا حالة أطفال العراق كنموذج يمكن اعتماده لإثبات اتساع رقعة مفهوم الأمن القومي على ضوء انبعاث نظرية مالتوس، نجد أن الملايين منهم سقطوا منذ عام 1991، الذي شهد بداية فرض العقوبات الأميركية-الدولية عل العراق والتي أفضت إلى اعتماد برنامج الأمم المتحدة سييء الصيت المعروف باسم (النفط مقابل الغذاء)، والذي ظل طوال 13 عاما يقض مضاجع العائلات والأسر العراقية ليل نهار ويفتك بأبنائها صباح مساء على مرأى ومسمع الجميع دون اكتراث حتى بلغ عدد ضحايا هذا البرنامج من الأطفال الملايين.
وكأن بطش الحرب المفروضة على أطفال العراق لا يكفي، فكان لا بد من تحديث وتسريع آليات عمل نظرية الإبادة الجماعية تلك عن طريق تدعيمها بآليات جديدة جعلت جرثومة الكوليرا مستوطن أصيل في نهري دجلة والفرات وما يتفرع عنهما من جداول تعتبر المصدر الوحيد لحصول الناس على مياه الشرب مع أنها تغص بعناصر أشد أنواع التلوث بدءا بما خلفته الأسلحة الكيماوية والنووية المستخدمة من قبل قوات الاحتلال الأميركي في غزوها للعراق وليس انتهاء بجثث القتلى التي تلقى فيها وتترك هناك لتتعفن وتتحول إلى غذاء للأسماك، التي تعد وجبة أساسية على الموائد المتواضعة لسكان بلاد الرافدين.
الطفل العراقي المصاب بآفة العدوان الحرمان، التي يغذيها جشع المحتكرين، دخل بقوة في منظومة الأمن القومي لأعظم قوة في العالم وأصبح يشكل خط الاشتباك الأول فيها.
باسل أبو حمدة