صادفت منذ أيام ذكرى مرور خمسة عشر عاماً على توقيع اتفاق أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين الذي بدأ بمفاوضات سرية وتوج بالتوقيع العلني في البيت الأبيض. كان سقف الآمال عالياً في حينه بحيث تمنى الفلسطينيون أن يؤدي إلى إحقاق الحقوق الفلسطينية المشروعة بإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين ووقف المسلسل الطويل من المآسي والمعاناة التي كانت من نصيب الشعب الفلسطيني، ولكن ما حصل على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً، فإسرائيل ظلت تماطل وتتحجج بذرائع مختلفة من أجل التملص من الإيفاء بالتزاماتها، وظل الاحتلال جاثماً على صدر الفلسطينيين.
رغم الوعود التي أطلقها رعاة عملية السلام والمؤتمرات التي عقدت وكان آخرها مؤتمر أنابوليس في 27 نوفمبر من العام الماضي والذي تم برعاية أميركية واستهدف دفع عملية المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية نحو التوصل لاتفاق يقضي بإقامة دولة فلسطينية قبل انتهاء فترة رئاسة بوش في الأول من يناير 2009. لقد بدا هذا الهدف غير واقعي في ضوء تعقيدات عملية التفاوض وطبيعتها، فهناك ملفات عديدة لا يزال الخلاف فيها واضحاً كملف المستوطنات الإسرائيلية وملف اللاجئين والملف الأصعب وهو القدس. كما أن إسرائيل، وهي الطرف الأقوى، لا تجد من يمارس الضغط عليها على نحو ما يمارس على الجانب الفلسطيني، حيث يطالب الفلسطينيون بتقديم تنازلات للاحتلال بينما تعلن الدول الغربية، ويا للعجب، تفهمها لطبيعة التنازلات المؤلمة التي ستقدمها إسرائيل!
ولفهم حقيقة ما جرى على صعيد العملية السلمية في الشرق الأوسط منذ انطلاقها من خلال مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد برعاية أميركية سوفييتية مشتركة في نوفمبر1991، ويهمنا هنا المسار الإسرائيلي ـ الفلسطيني، لا بد من الوقوف عند بعض المحطات في تلك العملية. بدأت المحادثات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل سري في أوسلو بهدف التوصل إلى اتفاقية مباشرة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأخيرا تم التوصل إلى اعتراف متبادل بينهما. وقد توجت المباحثات التي تمت برعاية نرويجية بالتوقيع على ما عرف باتفاق أوسلو في البيت الأبيض في 13 سبتمبر عام 1993 بحضور الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، حيث تصافح الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين فيما اعتبر مصافحة تاريخية.
ونصت الاتفاقية على انسحاب إسرائيل على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة وإقامة سلطة فلسطينية مؤقتة لمدة خمس سنوات تنتهي بحل قائم على القرارين 242 و 338. ونصت كذلك على «إنهاء عقود من الصراع» واعتراف الطرفين بشكل متبادل بالحقوق السياسية المشروعة للطرف الآخر. وهو ما يعني، وان لم ينص عليه بشكل مباشر، إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل في نهاية المطاف.
وجرى آنذاك تبادل رسائل بين عرفات ورابين تنص على اعتراف الأول «بحق إسرائيل بالوجود» مقابل اعتراف الأخير «بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني».
وعقب الاتفاقية انسحبت إسرائيل من عدة مدن في الضفة الغربية منها رام الله وطولكرم حيث جرى تسليمها للسلطة الفلسطينية.
عقدت بعد ذلك عدة لقاءات، من بينها طابا في عام 1995، وواي ريفر في سنة 1998، وشرم الشيخ عام 1999 لتسريع وتيرة الانسحاب، وتطبيق مقتضيات أوسلو فيما يتعلق بالحكم الذاتي. ثم قرر الرئيس الأميركي بيل كلينتون في عام 2000 التصدي لقضايا الوضع النهائي ـ وفي مقدمتها مسائل الحدود والقدس واللاجئين ـ التي أرجأت أوسلو إثارتها لمفاوضات لاحقة.
وجرت المفاوضات في يوليو من ذلك العام ، وشارك فيها رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إيهود باراك، ورئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات. ولم تسفر هذه المفاوضات عن أي اتفاق، لكنها كانت مناسبة للتفاوض على تلك المسائل بتفصيل غير مسبوق.
وكان سبب انهيار المفاوضات هو أن أقصى ما قالت إسرائيل إنها قادرة على تقديمه والذي اعتبرته في حينه عرضاً سخياً للغاية، كان دون الحد الأدنى لما قال الفلسطينيون إنهم قادرون على قبوله، حيث عرضت إسرائيل التخلي عن قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية وشطر من صحراء النقب، نظير الإبقاء على أهم التكتلات الاستيطانية، ومعظمها في القدس الشرقية.
أما بالنسبة لموضوع القدس واللاجئين وهو الأهم في المفاوضات، فقد اقترحت إسرائيل إشرافا إسلاميا على أهم الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس القديمة، والمساهمة في صندوق لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين. وهذه المقترحات لم يقبل بها الجانب الفلسطيني الذي كان يطالب بالعودة إلى حدود عام 1967 بما فيها القدس، ومنح الإسرائيليين حق الإشراف على الحي اليهودي في القدس القديمة، كما أصر على الاعتراف «بحق العودة» للاجئين الفلسطينيين.
وتلا إخفاق كامب ديفيد 2000 اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي عرفت بانتفاضة الأقصى، حيث استغلتها إسرائيل للتراجع عن كل اتفاقاتها مع السلطة الفلسطينية من خلال عمليات الاجتياح لمناطق السلطة وضرب مقراتها الأمنية متعللة بالحفاظ على أمن إسرائيل ومواطنيها.
ورغم قرب موعد نهاية ولايته الثانية، إلا أن كلينتون رفض الاستسلام، وعرض «مقترح تقارب» يتضمن إجراء محادثات في واشنطن والقاهرة ثم طابا بمصر. ولم تجر هذه المباحثات على مستوى عال من المسؤولية، كما أنها أدت إلى تعميق الخلافات دون التغلب عليها.
وكان المشاركون أكثر ليونة، فيما يتعلق بمسألة الأراضي، وقال المراقبون من الاتحاد الأوروبي إن المفاوضين الإسرائيليين وافقوا على مبدأ أن تصير القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. لكن البيان الختامي قال بعد ذلك: «لقد تبين أنه من المستحيل التوصل إلى تفاهم يخص جميع المسائل». وبانتخاب آرييل شارون في فبراير من عام 2001، كان الأوان قد فات وأصبح من الصعب أكثر التوصل لتفاهمات بين الطرفين، فقد كان شارون هو من فجر الانتفاضة الثانية بزيارته الاستفزازية للحرم القدسي الشريف.
وقد استمر في قمع الفلسطينيين وتضييق الخناق على السلطة الفلسطينية لدفعها لتقديم التنازلات التي تريدها إسرائيل، حيث فرض حصاراً على عرفات في مقره برام الله الذي لم يستطع أن يغادره حتى لحضور القمة العربية التي عقدت في بيروت في مارس 2002 وشهدت تقديم السعودية لخطة سلام دعت للعودة إلى المقاربة متعددة الأطراف.
كما أشارت إلى رغبة العالم العربي في إنهاء النزاع. وعرضت الخطة عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل يونيو 1967، وإقامة دولة فلسطينية و «حلا عادلا» لمسألة اللاجئين. وذلك في مقابل اعتراف وتطبيع عربي كاملين بإسرائيل.
وعلى ضوء استمرار تردي الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، شكلت في مدريد لجنة رباعية لدفع عملية السلام والإشراف عليها.
وضمت كلاً من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وقامت اللجنة بتكليف السناتور الأميركي جورج ميتشيل بزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة لغرض تقصي الحقائق حول الوضع المتفجر هناك والخروج بتوصيات لإنعاش عملية السلام المتوقفة. وبناء على توصيات متشيل، قامت اللجنة الرباعية بإعداد خطة سلام عرفت بخريطة الطريق. ولا تعرض هذه الخطة تفاصيل التسوية النهائية، لكنها تقترح سبل حل الصراع.
وقد سبق الكشف عن خريطة الطريق بيان صدر في يونيو 2002 عن الرئيس جورج بوش الابن الذي صار أول رئيس أميركي يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية. وتقترح هذه الخطة التي تبناها بوش برنامجا زمنيا يطبق على مراحل، واضعة الأولوية للشأن الأمني قبل التسوية النهائية. وتهدف الخريطة إلى بناء الثقة، تمهيدا لمفاوضات الوضع النهائي.
* المرحلة الأولى: يصدر الطرفان بيانا يؤكدان فيه دعمهما لمبدأ الدولتين، وبينما يتوقف الفلسطينيون عن العنف، والتصدي «لكل الضالعين في الإرهاب»، وإعداد دستور، وإجراء انتخابات - يتوقف الإسرائيليون عن بناء المستوطنات، ويلتزمون بضبط النفس عسكريا.
* المرحلة الثانية: ستشهد ـ أثناء مؤتمر دولي ـ ميلاد دولة فلسطينية «بحدود مؤقتة».
* المرحلة الثالثة: مفاوضات الاتفاق النهائي.
لم تُطبق خارطة الطريق، فقد كانت تنص على أن يتم التوصل إلى الاتفاق النهائي قبل نهاية عام 2005. لكن الأحداث تجاوزتها.
كان آخر المحاولات ـ كما أسلفنا ـ هو مؤتمر أنابوليس الذي عقد في أنابوليس بالولايات المتحدة في عام 2007 وكان يرمي إلى انجاز اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين يقود إلى إقامة دولة فلسطينية قبل نهاية العام الحالي. وفي الواقع أن عملية السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية التي انطلقت من أوسلو تعيش حالياً مأزقاً حقيقياً، خاصة بعد أن تكشفت استحالة تحقيق أهداف أنابوليس، رغم الضغط الذي تمارسه واشنطن حالياً للتوصل إلى أي صيغة اتفاق.
ويتمثل ذلك المأزق في حقيقة ضعف المواقف السياسية لزعماء الدول الأطراف في العملية. فالرئيس بوش يعيش آخر أيامه في البيت الأبيض، حيث من المفترض أن يخلفه الرئيس الجديد الذي سيتم انتخابه في نوفمبر المقبل مع مطلع السنة القادمة. وهو في هذه الفترة أعجز من أن يفعل شيئاً حقيقياً على صعيد دفع العملية السلمية لتحقيق اتفاق بين الطرفين المتنازعين.
ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت يعاني من ضعف كبير نظراً لاتهامه بالفساد وللتحقيقات الجارية معه بهذا الخصوص الأمر الذي دفعه إلى التعهد بتقديم استقالته بعد انتخاب من يخلفه في حزب كاديما، وهكذا فإن أولمرت لا يستطيع أن يتوصل لأي اتفاق خلال مدة قصيرة جداً، وهو في ظل ظروفه الراهنة لا يملك التفويض حتى بانجاز هكذا اتفاق.
أما الطرف الفلسطيني، فيعاني هو الآخر من ضعف وانقسام ناجم عن الشرخ القائم بين السلطة وحماس، حيث تسيطر الأولى على الضفة الغربية بينما تسيطر الثانية على قطاع غزة، ولا يمكن للرئيس محمود عباس في ظل هذه الظروف أن يوقع على اتفاق لا يحظى بالإجماع الفلسطيني، خاصة وأن الاتفاق يتعلق بقضايا مصيرية كالدولة والقدس واللاجئين.
وهناك مشكلة أخرى يعاني منها عباس وهي أن فترته الرئاسية تنتهي في يناير المقبل، وبعد هذه الفترة يصبح رئيساً غير شرعي، الأمر الذي يعقد من فرص التوصل إلى اتفاق سلام في الأفق المنظور.
ومن هنا، فإن حديث الأطراف المعنية بعملية السلام عن توقيع اتفاق قبل نهاية هذا العام يعتبر لعباً في الوقت الضائع، وكلاماً له أهداف أخرى غير تلك المعلنة.
هناك سبب خاص لدى كل من الرئيس بوش وأولمرت في الاهتمام بالموضوع. فبوش يرغب في أن ينهي رئاسته للولايات المتحدة بانجاز معين يسجله التاريخ له، أما أولمرت فيرغب في التغطية على مشاكله وأزماته الداخلية وفي مقدمتها فضائح الفساد والفشل في حرب لبنان 2006 .
إضاءة
رغم أن كل الشواهد تشير إلى استحالة التوصل لاتفاق سلام مع استمرار الاستيطان والحصار والاعتداءات ومع الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني إلا أن بوش وأولمرت كانا يقفزان على الوقائع ويؤكدان باستمرار أن السلام ممكن بل وفي المتناول. غير أن الحقائق على الأرض تشير إلى أن هدف السلام لا يزال بعيداً بل إنه أبعد مما كان عليه إبان توقيع اتفاق أوسلو.
ضرار عمير