في عالم السياسة لا يوجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة، وإنما فقط مصالح دائمة.. هذه القاعدة السياسية هي الحاكم المحرك للعلاقات الدولية وهي التي تفسر الكثير مع التغيرات التي تطرأ على العلاقات بين الدول بعضها البعض، ومن أهم التغيرات التي حدثت مؤخرا تلك المصالحات التاريخية التي حدثت مؤخرا فيما بين كل من الولايات المتحدة الأميركية وليبيا من جانب، وتركيا وأرمينيا من جانب آخر ، بعد تاريخ حافل بالعداء والندية والقتال والخلافات والصراعات.
ويوكد سفير مصر الأسبق في الولايات المتحدة الأميركية ورئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير عبد الرءوف الريدي على أنه من الطبيعي أن تأتي المصالحات بين الدول بعد خصومة أو عداوة سواء كانت الخصومة أو المصالحة مبنية على حسابات المصالح الوطنية للدول من وجهة نظر قاداتها وأنظمتها الحاكمة ، وقد تكون حسابات المصالح هذه قائمة على أسس سليمة تدعمها حجج ومبررات قوية ويمتلك الحق فيها ، كما قد تكون أيضا هذه الحسابات على غير ذلك ولكن القائمين عليها يرون أنها ستحقق مصالح وطنية معينة ومن المفيد اتخاذ هذه المواقف.
وقد تكون هذه الأسس والأسانيد والحجج سليمة وقوية وحقيقية ولكن صاحبها لا يملك القوة القادرة على تحقيقها أو الحفاظ عليها فيضطر صاحبها إلى التراجع ولو بصفة مؤقتة أو قبول الأمر الواقع ، مشيرا الى أن الحسابات نفسها قد تختلف باختلاف وتغير الظروف الدولية ويكون من المفيد إعادة النظر في القرارات التي تم اتخاذها في ظل الظروف السابقة .
وحول المصالحة الليبية ـ الأميركية الأخيرة ،قال الريدي:إن تلك المصالحة جاءت بعد سلسلة من الإجراءات والمفاوضات والمباحثات والشد والجذب بل والتنازلات أيضا خاصة من الجانب الليبي الذي أعاد النظر في الكثير من السياسات التي ينتهجها وتراجع عن الكثير من المواقف التي كانت تصور على أنها مواقف استراتيجية وأنها مسالة كرامة بعد أن وجدت القيادة الليبية أن المصالح الليبية تحتم عليها التراجع عن مواقفها واتخاذ مواقف بديلة يمكن أن تحقق من خلالها مكاسب أفضل».
ومن جانبه، أكد رئيس التقرير الدولي الذي يصدره مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور عماد جاد أن المصالحة هي نوع من أنواع العلاقات الدولية التي تحكم العلاقة بين الدول وبعضها البعض ، مشيرا إلى أن المصالحة الليبية ـ الأميركية جاءت بعد مرحلة من التوتر والعداء المعلن بين البلدين لأكثر من ربع قرن خاصة في حقبة ثمانينات القرن الماضي.
وأشار الى أن العلاقات بين ليبيا والولايات المتحدة بدأت تشهد انفراجة منذ عام 2003 وتحديدا عندما قبلت طرابلس بمحاكمة اثنين من مواطنيها في اسكتلندا لاتهامهما في تفجير طائرة لوكيربي التي قتل فيها حوالي 280 شخصا كانوا على متنها.
وأعقب تلك الخطوة إقدام طرابلس على اتخاذ عدد من الخطوات الشجاعة وتقديم ما يمكن أن يوصف بالتنازلات المحسوبة مثل الموافقة على تقديم تعويضات مجزية لضحايا طائرة لوكيربي وموافقة الرئيس الليبي في نفس العام على وقف ما يسمى بالبرامج النووية وتسليمها لوكالة الطاقة الذرية ووقف ليبيا للتعامل مع المنظمات التي تعتبرها واشنطن منظمات إرهابية وصاحب ذلك تغيير الاهتمام الليبي من الاتجاه العربي إلى الاتجاه الأفريقي.
أما رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور سعيد اللاوندي، فيرى أن الوضع لا يختلف كثيرا بين تركيا وأرمينيا عما هو عليه بين ليبيا والولايات المتحدة الأميركية فكلاهما تحركه المصالح الوطنية للأطراف المختلفة ، مؤكدا أنه بالنسبة للوضع بين تركيا وأرمينيا له بعدان بعد داخلي وآخر خارجي على عكس المصالحة الليبية ـ الأميركية التي كانت لها أبعاد خارجية فقط.
وأوضح اللاوندي أن المشكلة التركية تكمن في أبعادها التاريخية الداخلية والمعروفة باضطهاد الترك للأرمن وما ارتكبه الترك في حقهم من جرائم وتعسف واضطهاد في إطار ما يمكن أن يطلق عليه اضطهاد عنصري ومما اثر سلبا على العلاقات التركية ـ الأرمينية ، انحيازا كلا لعرقه وهو ما كان له بالغ الأثر على العلاقات بين البلدين.
وقال اللاوندي: إن تركيا وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع هذه الأزمة وفتح قناة للحوار والاتصال مع أرمينيا والأرمن الترك لحل هذه المشكلة انطلاقا من تحقيق مصالحها الوطنية بعد أن علمت أنها ستتضرر كثيرا ببقاء الحال على ما هو عليه ورفض الاتحاد الأوروبي والذي تسعى تركيا للانضمام إليه منذ عام 1963 لعدة أسباب من بينها أهمية تحقيق المصالحة الوطنية في داخل تركيا واعتبار ما تم في حق الأرمن هو جريمة إنسانية وعلى الترك أن يتصالحوا مع الأرمن من باب التصالح مع الذات قبل التصالح مع الغير فقط.
ولذلك وجدت تركيا أن أزمتها مع الأرمن ستنال من مصالحها مع الاتحاد الأوروبي ولذلك سعت مجددا للبحث عن حل لأزمة الأرمن الداخلية والتصالح مع أرمينيا من باب التصالح التاريخي الشامل مع الأرمن ككل. وأشار إلى أن تركيا للأسف لم تتصالح مع أرمينيا والأرمن انطلاقا من قناعات حقيقية لأهمية التصالح والاقتناع بحقوق الأرمن التاريخية أو اعترافا بأخطاء الترك التاريخية.
وإنما رضوخا لإملاءات أوروبية ودولية، منتقدا أسلوب الانتقائية في السياسة الأوروبية حتى في ممارسة ضغوطها ، ففي الوقت الذي مارست ضغوطها على تركيا لحل الأزمة الأرمينية غضت الطرف تماما عن الأزمة الكردية وتجاهلت الانتهاكات التاريخية التركية ضد الأكراد.
إضاءة
يوكد سفير مصر الأسبق في الولايات المتحدة الأميركية ورئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير عبد الرءوف الريدي على أنه من الطبيعي أن تأتي المصالحات بين الدول بعد خصومة أو عداوة سواء كانت الخصومة أو المصالحة مبنية على حسابات المصالح الوطنية للدول من وجهة نظر قاداتها وأنظمتها الحاكمة ، وقد تكون حسابات المصالح هذه قائمة على أسس سليمة تدعمها حجج ومبررات قوية.