ليس الهدف من هذه السطور شغل دور المفتي أو العمل من موقع الفقيه وإنما استكمال ما عرضنا له الأسبوع الماضي بشأن تغيير المسلمين لهوية شهر رمضان، وهو أمر يعززه حالة الفوضى القائمة على مستوى المؤسسة الدينية في الكثير من البلدان حتى اختلط الحابل بالنابل، وصعب على المسلمين فهم حقيقة قضايا دينهم.
وتصب هذه الحالة في النهاية في ما نعتبره محاولة التنصل والتحلل مما يفرضه رمضان من التزامات وسلوكيات وفرائض، الأمر الذي يمكن رصده على مستوى ثلاث فتاوى أثيرت مؤخرا بمناسبة حلول رمضان.
ففي جرأة تحسد عليها راحت وسيلة إعلامية ـ تصورت بالخطأ أن التعليمات التي صدرت لها من جهات عليا بالتحديث لمواجهة التطرف الذي يضرب بجذوره في البلد الموجهة له أصلا يعني تصيد أي لغط ضد كل ما هو إسلامي ـ تنشر فتوى منسوبة لمفتي مصر الدكتور علي جمعة بصحة صيام الفنانات حتى لو قمن بتصوير مشاهد تمثيلية غرامية في نهار رمضان تتضمن القبلات غير المثيرة.
وهو ما يتطلب إجادة التمييز بين هذه وغيرها من القبلات المثيرة لتحديد مدى صحة الصوم. ولان المفتي لم يدل على ما يبدو بهذه الفتوى فقد كانت محاولة انتزاع أخرى من أي مصدر كان بأن الصوم صحيح شرعا طالما أن مشاهد القبلات للفنانات والفنانين في نهار رمضان لا تثير غريزة، رغم إشارة مصدر آخر إلى حقيقة أن مجرد القبلات حتى بين الأزواج ـ مثيرة أم غير مثيرة ـ في نهار رمضان مكروهة خشية وصولها إلى ما يبطل الصوم فما بالنا بمشاهد القبلات بين الفنان والفنانة.
ما يهمنا هنا دلالة هذا الجدل الذي يبدو مصطنعا في جانب منه ويحقق، فيما نرى، هدف الاستخفاف برمضان وتفريغه من مضمونه في ضوء محاولة تكريس شرعية قضية من المفترض أن الموقف بشأنها يبدو محسوما، وتمثل سلوكا يتنافى مع متطلبات وقيم شهر رمضان.
ثاني الفتاوى المثيرة للجدل والتي تعزز ما نذهب إليه تجديد المفكر جمال البنا حديثه بشأن جواز التدخين وكونه لا يبطل الصوم. في القضية كلام كثير، ولا نعرض هنا للوجه الشرعي لها، فذلك ليس دورنا، ولكننا نشير إلى أنها تمثل نوعا من التحايل ـ سواء كان مقبولا أم غير مقبول ـ على مفهوم الصيام القائم على امتناع الإنسان عن كل ما يتعلق بإشباع رغباته وشهواته الجسدية.
كما أنه حتى لو تم النظر للأمر بمنظور غير ديني، فقد يكون تغليب منطق التحريم، رغم إمكانية التماس قدر من المنطق العقلي والشرعي لدى أصحاب الموقف المضاد ، أكثر فائدة للفرد المدخن والمجتمع بشكل عام في ضوء تصاعد التشريعات الدولية التي تحارب التدخين بكافة السبل.
أما ثالث الفتاوى التي تصب فيما نود الإشارة إليه فتتمثل في الموقف من تطور علمي مهم تم التوصل اليه عبارة عن شريط لاصق يساعد على عدم الشعور بالجوع أفتى العلماء الأتراك بجوازه في رمضان. في حدود المجال الذي نعرض له هنا، وإعمالا للعقل، نشير إلى أنه من الصعب القول بأن استخدام ذلك الشريط يبطل الصيام.
وتمثل الفتوى المنسوبة للدكتور القرضاوي أساسا جيدا للتعامل معه حيث ذهب إلى كراهية استخدامه باعتبار أن ذلك يقلل الحكم التي أرادها الله من الصوم مثل تحمل المشقة والشعور بمعاناة الفقراء. وهذا هو بيت القصيد حيث إنه مع استخدام الشريط اللاصق، ينتفي تحقق الهدف الرئيسي من الصيام ما يمثل مرة أخرى نوعا من الالتفاف على الصوم الذي يعتبر جوهر المفاهيم الرمضانية.
من رؤية الأشجار إلى محاولة رؤية الغابة، نشير إلى أن قضية التعاطي مع شهر رمضان على هذا النحو، تمثل نموذجا لمشكلة يواجهها المسلمون، والإسلام ككل، مع التطورات التي تفرضها الحداثة، الأمر الذي لم نصل إلى مرحلة تقديم صياغة مثلى له، والأرجح هنا أننا سائرون إلى ما سار إليه آخرون سبقونا على هذا الدرب.. وتلك قضية أخرى.