جاءت قمة دمشق الرباعية التي جمعت زعماء قطر وسوريا وتركيا وفرنسا لتعيد للأذهان شعارا ذاع صيته عشية انعقاد مؤتمر مدريد للسلام بين العرب وإسرائيل، شعار أو منهج عمل طرحته القيادة السورية وحظي باجماع عربي واتفقت عليه الأطراف العربية المعنية آنذاك مجسدا بضرورة تلازم مسارات التفاوض بين الدولة العبرية من جهة وبلدان الطوق العربية التي لم توقع بعد اتفاقيات تسوية معها من الجهة الثانية، بالإضافة طبعا لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وضع هذا النوع من التسويات أو محاولات التسوية لم يتغير بعد مرور 16 عاما على مؤتمر مدريد، فالبلدان العربية التي لم توقع بعد لا تزال على حالها، فضلا عن دخول سوريا والسلطة الوطنية الفلسطينية في تجارب تفاوضية افشلها الصلف الإسرائيلي وتعنت قيادة الحركة الصهيونية التي تفضل لغة الفرض والقوة على لغة التفاهم والحوار.
أي أن استمرار هذا الوضع على حاله لم يغير بشيء من صحة ونجاعة طرح الشعار ذي المنشأ السوري المتعلق بالفوائد المرجوة من تلازم مسارات التفاوض، خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار المشروع الذي قامت عليه دولة إسرائيل والذي لا يستهدف الشعب الفلسطيني وحده وإنما كافة شعوب المنطقة أيضا.
وبما أن الأمر كذلك وفي ظل الخلل الحاصل في موازين القوى على الصعيد الإقليمي والدولي لصالح الكيان الصهيوني، فإن رص الصفوف عن طرق تلازم مسارات التفاوض مع إسرائيل في الجانب العربي من المعادلة ربما يمثل السلاح الوحيد المتبقي بين أيدي البلدان العربية وجامعتها العربية عموما وبلدان الطوق على وجه الخصوص.
ما يستدعي رفع راية هذا الشعار وإعلاء كلمته في محاولة عربية جادة للخروج من بؤرة التفرد الإسرائيلي بكل دولة من بلدان الطوق على حدة على غرار ما حصل في اتفاقات كامب ديفيد الموقعة عام 1979 بين مصر وإسرائيل ومعاهدة وادي عربة الموقعة عام 1994 بين الأردن وإسرائيل أيضا، والتي جعلت الأردن ثاني بلد عربي يطبع علاقته مع إسرائيل بعد مصر.
فرانسوا بونسيه سكرتير عام الرئاسة الفرنسية في عهد الرئيس جيسكار ديستان قال، ذات مرة لبطرس بطرس غالي في قصر الإليزيه ناصحا الحكومة المصرية قبل توقيع اتفاقيات كامب ديفيد: «إذا لم نتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن الفلسطينيين قبل توقيع المعاهد المصرية ـ الإسرائيلية، فكان على ثقة من أنك لن تحصل لهم ـ الفلسطينيين ـ على أي شيء لاحقا من الإسرائيليين».
هنا مربط الفرس في معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، هنا يكمن جوهر القضية برمتها وهنا لا بد من التوقف طويلا وإعمال الفكر بصورة جدية بعد أن بينت عملية أوسلو المتواصلة منذ 15 عاما انعدام جدوى اتفاقات من هذا النوع حين يتعلق الأمر بجوهر الصراع وليس بقشوره وبأطرافه.
وبعد دخول سوريا معترك التفاوض المنفرد في جولتين قاسيتين مع إسرائيل تمكنت من خلالهما من انتزاع «وديعة رابين»، التي تنص على انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي السورية التي تحتلها في هضبة الجولان.
الوقت لم يفت بعد والأفق لا يزال مشرعا أمام قلب معادلة التفاوض على رأس عدو شرس لا مكان للأخلاقيات في فكره الذي تتنازعه هواجس عقائدية عنصرية أكل عليها الدهر وشرب، والفرصة لا تزال سانحة أمام كل من منظمة التحرير وسوريا ولبنان ومعها جامعة الدول العربية للتفكير بخيار تلازم المسارات طالما أن شيئا لم يتغير في طبيعة الصراع الإسرائيلي ـ العربي ولم تسفر أي من محاولات التسوية في الحالات الثلاث عن اي شيء غير الفشل الذريع.
فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة المسترشدة بتوجهات وتوجيهات الحركة الصهيونية العالمية تسعى جاهدة، في كافة الأحوال، إلى تفريغ القضية الفلسطينية من محتواها وتحويلها من قضية سياسية إلى مجرد مسألة انسانية وبالتالي فصلها عن ارتباطاتها الجغرافية والتاريخية والجيوسياسية العربية حتى تتحول إلى لقمة سائغة يسهل ابتلاعها ومن ثم هضمها وتسويقها في جهات الدنيا الأربع.
الخطاب السياسي السوري الذي تجلى في إشارات الرئيس بشار الأسد الواضحة، أثناء قمة دمشق الرباعية، إلى البعد القومي العربي لأي من مسارات التفاوض مع إسرائيل يمثل محاولة جادة يمكن اعتمادها وتطويرها باتجاه العودة إلى مربع تلازم المسارات، الذي يبقى رغم الإخفاقات العديدة التي مني بها المربع السليم والوسيلة الناجعة والسلاح الشرس الذي يستطيع العرب من خلاله استرجاع أكبر قدر ممكن من حقوقهم.