«الفقراء يجمعون الأحذية التالفة استعدادا للشتاء».. الأمر ليس جديدا، ولكن اتساعه هو الجديد. ففي فصل الشتاء الماضي عرف عن بعض الأسر الأردنية الفقيرة جمعها للأحذية القديمة لاستخدامها كوقود للتدفئة شتاء. ولكن الجديد هنا هو مسارعة هذه الأسر وغيرها ومنذ اليوم، إلى جمع أكبر كمية ممكنة من الأحذية القديمة وتخزينها في غرف خصصت لذلك بهدف استخدامها خلال فصل الشتاء المقبل.
«إن البرد في فصل الشتاء قاتل، ومشكلتنا معه أن الفقر فيه أشد قتلا». يقول المواطن الأردني موسى الشرقي الذي يسكن إحدى قرى محافظة عجلون شمال البلاد. ويضيف: كان لا بد لي أن أدفيء أطفالي في الشتاء، ولأني أعلم أنه لا سبيل أمامي للحلول الإنسانية المتعارف عليها فقد لجأت إلى ما لا يلجأ إليه .. الأحذية التالفة.
إن الأبخرة السامة والدخان الملوث الذي يخرج من نار هذه الأحذية هو أشد قتلا من البرد ذاته، ولكن الشرقي، يصر مع ذلك، على أنه لا حل أمامه إلا هذه الوسيلة. يقول: لقد حاولنا في الشتاء الماضي استخدام الأشجار الحرجية للتدفئة، ولكن السلطات المسؤولة وضعت أمام كل شجرة حارسا، ولم يعد أمامنا سوى هذا الحل.
ويضيف: رغم أنني أعلم أن الدخان الذي يصدر عن تلك الأحذية مضر بالصحة ورائحته مزعجة، لكن ما من وسيلة أخرى تحقق الهدف خصوصا وأن قطع الأشجار أصبح جريمة يعاقب عليها القانون. ويقول الشرقي: إن لديه مصدر دخل، فهو ليس عاطلا عن العمل، لكنه دخل لا يساوي شيئا ـ وفق قوله ـ أمام الارتفاع الجنوني للأسعار.
وأوضح أنه وبعد أن وجد أن استخدام الأحذية وقودا للتدفئة أمر مجد، أخذ يشتري الطن من تلك الأحذية بـ (20) دينارا يستخدمه لمدة تزيد على أسبوعين، مما يخفف جزئيا عن أسرته عبء فاتورة الوقود في فصل الشتاء. وكانت إحدى دراسات برنامج الأغذية العالمي ذكرت بأن عدد الجوعى في الأردن يقدر بـ 60 ألف أسرة. وحسب الدراسة فإن نسبة الجوعى في الأردن 4% من سكان الأردن أي حوالي ربع مليون نسمة.
وأظهرت أن الفقراء المصنفين تحت مسمى الفقر المزمن هم الفقراء الذين لا يتوقع خروجهم من دائرة الفقر ويشكلون 39% من مجموع الفقراء. وأوضحت أن نسبة النساء المطلقات الفقيرات أعلى من المتزوجات أو الأرامل وان 13 قضاء في المملكة من أصل 73 قضاء تصل نسبة الفقر فيها إلى 34% وان 6 إلى واحد أي سدس الألوية في حال بؤس شديد إضافة لظهور تفاقم حالة الفقر في محافظة الزرقاء شرق البلاد فقد ارتفعت النسبة من 3. 16% في عام 1997عام لتتجاوز الـ 30% حاليا.
وذكر مواطن آخر فضل عدم الكشف عن اسمه ويعمل عاملا في كافتيريا إحدى المؤسسات الخاصة: أنه يرفض الإجراء الذي قام به المواطن «الشرقي» لأنه يريد أن يطرد الموت بردا عن أطفاله ليقتلهم اختناقا. وقال، في الحقيقة، بدأت اجمع كل ما يقع بين يدي في الشارع من أخشاب، واحجزها في غرفة جعلتها مستودعا في البيت من اجل استخدامها في التدفئة خلال الشتاء المقبل.
ويقول: اعلم مسبقا أني لن أطيق أسعار الكاز، ولم أتجرأ لأذهب إلى محطة الوقود لشرائه. ويمازحنا هذا المواطن بالقول بانه أصبح يقول لاصدقائه ومعارفه إذا صار لديه مناسبة وأرادوا إهداءه فما عليهم إلا أن يأتوه بالكاز.
إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون وضيق ذات اليد دفعهم لمحاولة إيجاد حلول بديلة لمعالجة مسألة ارتفاع أسعار المحروقات وعجزهم عن ملاحقتها. ويعلق الكثير من المواطنين أمام انخفاض أسعار المحروقات عالميا بالقول: حتى لو انخفضت أسعار الكاز سأبقى عاجزا عن القدرة على شرائها.
معلم مدرسة يعمل في وزارة التربية والتعليم رفض الكشف عن هويته لديه عائلة من أربعة أطفال عندما سئل عن دخله وما الذي سيفعله خلال الشتاء المقبل. حمل هاتفه المحمول وفتح على الآلة الحاسبة فيه وبدأ يحسب وهو يقول: راتبي نحو 500 دولار، ادفع شهريا للمطبخ وشؤون البيت ما بين 350 دولارا وأريد مواصلات ومصروفا شخصيا شهريا نحو 100 دولار.
فيما ستتكفل فواتير الكهرباء والهاتف وغيرها بما تبقى. «المصيبة» عندما يأتي الشتاء فالمتطلب اليومي الجديد سيكون الكاز أو الغاز، فكيف لي أن أوفره للعائلة. هذا تماما ما تحدث عنه دكتور علم الاجتماع في جامعة مؤتة د. حسين عثمان عندما قال إن الفقراء في الأردن ليسوا عاطلين عن العمل إنما هم فقراء عاملون.
وأضاف إن الأجور المتدنية من الأسباب الرئيسية لارتفاع نسبة الفقر، على الرغم من ان البطالة يمكن أن تساهم في الارتفاع الا أن الأهم من ذلك انخفاض الأجور في الأردن فالفقراء يعملون ، وهم ما يطلق عليهم الفقراء العاملون.
وتشهد الأسواق الاستهلاكية الأردنية حاليا ارتفاعات حادة على أسعار بعض المواد التموينية، بلغت نحو 32% في المؤسستين المدنية والعسكرية وهما المؤسستان اللتان يعتمد عليهما بعض الأردنيين في شراء موادهم التموينية جراء الانخفاض النسبي لأسعارهما قياسا عن أسعار السوق.
وقديما كان ارتفاع الأسعار في الأردن يختص بسلع معينة إلا انه في الفترة الأخيرة أتى على كل السلع ومنها البقوليات كمادة العدس التي كانت تعتبر «لحم الفقراء» والتي شهدت ارتفاعا غير مسبوق وصل لنحو 3 دولارات للكيلو الواحد في حين كانت تباع في مثل هذا الوقت من العام الماضي بنحو بدولار واحد للكيلو.
ويرى مراقبون ومحللون اقتصاديون أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للتخفيف عن أصحاب الدخول المتدنية والمتمثلة برفع الرسوم والضرائب عن السلع الأساسية لم تصمد أمام الارتفاعات المتصاعدة للأسعار.
معربين عن خشيتهم من أن يقوم بعض التجار باستغلال حالة الطلب المتزايد على السلع الاستهلاكية خلال شهر رمضان المبارك الجاري برفع جديد للأسعار. وبلغت نسبة الارتفاعات أكثر من 30% على معظم أصناف الخضروات في الأسواق المحلية، بينما يرى مهتمون أن الأسعار مرشحة لارتفاعات أخرى خلال الأيام المقبلة.
إضاءة
أشارت إحدى دراسات برنامج الأغذية العالمي إلى أن عدد الجوعى في الأردن يقدر بـ 60 ألف أسرة. وحسب الدراسة فإن نسبة الجوعى في الأردن 4% من سكان الأردن أي حوالي ربع مليون نسمة. وأظهرت الدراسة أن الفقراء المصنفين تحت مسمى الفقر المزمن هم الفقراء الذين لا يتوقع خروجهم من دائرة الفقر ويشكلون 39% من مجموع الفقراء. وأوضحت أن نسبة النساء المطلقات الفقيرات أعلى من المتزوجات أو الأرامل.
لقمان اسكندر