لعل السؤال الذي يرد إلى الذهن بمناسبة ذكرى مرور سبع سنوات على أحداث سبتمبر هو : ما الجديد الذي يمكن أن يقدمه المرء يختلف عما كتب وقيل في الذكرى الأولى أو الثانية أو الثالثة، أو حتى السادسة لأحداث سبتمبر؟ لقد سالت أنهار من الحبر في تناول هذه المناسبة، حتى لم يعد هناك ما يمكن اعتباره بالغ الجدة يمكن الحديث عنه.

غير أننا نشير هنا إلى الحقيقة الماثلة في المحورية التي أصبح الحدث يمثلها على نحو يبرر الاحتفال به كل عام حيث أصبح بحق علامة فارقة بين عالمين «عالم ما قبل» و«عالم ما بعد 11 سبتمبر». وإذا كانت الإدارة الأميركية قد تعاملت مع الحدث بمنطق رب ضارة نافعة وحاولت استغلاله بما يعزز من أجندتها التي رسمتها للعالم. فإن أهمية رصد الحدث تتأتى من أننا ما زلنا نكتوي بناره، باعتبار أن عالمنا العربي والإسلامي للأسف كان هو مجال التطبيق الفعلي لهذه الأجندة، ما يعزز ضرورة متابعة ذكرى الحدث ليس اجترارا لما حصل وإنما رصدا لتطوراته.

فلقد مثلت أحداث سبتمبر مرحلة فاصلة في العلاقة بين العالم الإسلامي مع الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص. ورغم أن العلاقات بين الطرفين كان يشوبها قدر من التوجس إزاء تصاعد حركات الإحياء الإسلامي في مختلف الدول العربية والإسلامية منذ السبعينات ، فضلاً عن العديد من العوامل الأخرى، إلا أن هذه الأحداث ألقت بظلالها على مجمل هذه العلاقات.

وهنا يمكن الإشارة إلى أن هذه الأحداث حسمت حالة التردد في الغرب لمواجهة المد الإسلامي بما كان لها من تأثير كبير في تغذية الصور والمشاعر السلبية النمطية لدى العرب والمسلمين عن الغرب ولدى الأميركيين والغربيين عامة عن العرب والمسلمين بل وعن الإسلام ذاته. وحسب رؤية البعض فإن هذه الأحداث دفعت بقضية العلاقة بين الإسلام والغرب وما يرتبط بها من جدل عن صدام الحضارات أو حوار الحضارات إلى دائرة الاهتمام السياسي والأكاديمي في الوطن العربي.

انتهازية اليمين المحافظ

وساعد على تضخيم الأثر السلبي لهذه الأحداث وقوعها في ظل تولي اليمين المحافظ الحكم في الولايات المتحدة فجاءت تأكيدا لأفكار المجموعة الحاكمة من أن العالم مليء بالأشرار الذين يحقدون على النجاح الأميركي وأسلوب الحياة الأميركية ويسعون إلى تحطيمه.

فضلاً عن ذلك فقد ساعدت الأحداث على قبول فلسفة الإدارة الجديدة والتي كانت تلقى قدرا من عدم الثقة فيها من قبل الشعب الأميركي. وعلى ذلك جرّت هذه الأحداث وراءها زيادة هائلة في الميزانية العسكرية واستخداما واسعا للقوة العسكرية في أكثر من مسرح لمواجهة ذلك التطور الجديد الذي يمثل تقويضا لأحد أهم أسس الفكر الإستراتيجي الأميركي الذي كان قائما قبل 11 سبتمبر على فرضية أن أراضي الولايات المتحدة الأميركية فيها مناعة وكأنها تضعها خارج الكرة الأرضية.

ومن هنا جاءت هذه الأحداث لتجعل الأراضي الأميركية جزءاً من الكرة الأرضية، الأمر الذي يحدث للمرة الأولى بهذا الوضع.. مما كان بمثابة الفرصة لتعزيز نهج الإدارة القائمة ودفعها إلى الحديث عن الأممية الأميركية التي تميز بوضوح أخلاقي بارز بين محوري الخير والشر، وعندها ظهرت عقيدة بوش الإستراتيجية التي تدور حول نقاط ثلاث.

هي: استباق التهديدات الخارجية بشن الحرب، ونشر المبادئ الأميركية في العالم بما يؤدي إلى تغيير الأنظمة التي لا تتناسب مع هذه المثل، وتطوير القوة الأميركية لتبقى متفوقة بحيث لا تستطيع أية قوة أخرى أن تضاهيها. كما كشفت الأحداث عمق الفجوة بين الإدراك النظري لخطورة التهديدات والمواجهة العملية لها كما ظهر من التقصير الأمني والمخابراتي الفادح.

ساحة العمليات الرئيسية

وفي انعكاس مباشر لهذه التوجهات والرؤى كان العالم الإسلامي ساحة العمليات الأساسية التي جرى على أرضها تطبيق الإستراتيجية الأميركية لفرض الهيمنة على العالم. والأن وبعد نحو سبع سنوات، فإن النظرة المجردة تشير إلى الإخفاق الأميركي في تحقيق الرؤية الساعية الى الهيمنة على مقدرات العالم سواء على المستويين العربي والإسلامي أم على المستوى الأشمل.

ولعل التطورات الجارية في القوقاز حاليا ومواجهة روسيا للمساعي الأميركية بتوسيع حلف الناتو على النحو الذي يصل إلى المجال الحيوي الروسي ما يشير إلى جانب من الإخفاق الأميركي على هذا الصعيد. غير أن نجاح الإدارة الأميركية في جعل العرب والمسلمين ساحة لعملياتها لم يكن نجاحا في المطلق وإنما حالت دون اكتماله العقبات على النحو الذي تحول معه الأمر بالنسبة للولايات المتحدة إلى كابوس غير قادرة على الفكاك منه.

وبغض النظر عن كل ما دار ويدور في أوساط عديدة بشأن الفاعل وراء الهجمات، واعتمادا للرواية الرسمية الأميركية بأن تنظيم القاعدة هو الذي يقف وراء هذه العمليات، فإن أخطر نتيجة استطاع القائمون على الحكم في واشنطن تكريسها تتمثل في اختزال الإرهاب العالمي في كونه إرهابا عربيا وإسلاميا فقط، ما عزز كما أشرنا، من مناخ العداء بين الإسلام والغرب على نحو غير مسبوق.

الأمر الذي انعكس كما هو معروف في خوض حربين كان العرب والمسلمون هما وقودها الفعلي. غير أن الصورة للأسف بعد مرور سبع سنوات تبدو قاتمة على صعيد الأهداف التي شنت على أساسها إدارة بوش حربيها فضلا عن حربها الشاملة على ما تصفه بالإرهاب.

حروب متوازية

فعلى صعيد الحرب في أفغانستان التي كانت المختبر الأول للسياسات الأميركية، فإنه وفقا لأحدث التقارير فإن الحرب لا تزال مستمرة هناك بين القوات الأميركية وحلفائها في مواجهة مقاتلي طالبان المدعومين من القاعدة هناك فيما لا يزال العدو الأول للولايات المتحدة وهو أسامة بن لادن فارا يتحدى الغرب.

وعلى الرغم من انتشار حوالي سبعين ألف جندي أجنبي في إطار القوة الدولية للمساعدة على إرساء الأمن التابعة لحلف الناتو والائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة فإن هجمات أنصار طالبان تتضاعف منذ سنتين وتزداد ضخامة ونوعية مثل الكمين الذي أودى بعشرة جنود فرنسيين منتصف أغسطس الماضي.

الأكثر مدعاة للدهشة هو اتساع نطاق العمليات لتشمل منطقة الحدود الباكستانية الأفغانية حيث رسخ عناصر طالبان تحالفهم مع الناشطين الباكستانيين. أما على صعيد الوضع في العراق، حيث مثل السيطرة على مصادر الطاقة الهدف الرئيسي للحرب.

فقد نجحت الولايات المتحدة في تفكيك بنية الدولة هناك، غير أن المشكلة الأكبر التي تواجهها الآن هو إعادة بنائها من جديد، وفق أي صيغة سواء كانت تناسبها أما لا، الأمر الذي تصادف فيه الفشل يوما بعد أخر. أما على صعيد الخسائر الناجمة عن هذه العمليات فهي بحق، كارثية بكافة المعايير.

وفيما يتعلق بالحرب الشاملة على الإرهاب فإنها بكل المعايير ووفق أغلب المراقبين فاشلة لم تحقق أهدافها والنقطة الكلاسيكية في هذا الخصوص إشارة الكثيرين إلى أن العالم، على عكس ما كانت تهدف او تزعم الولايات المتحدة، لم يعد أكثر أمنا فيما بعد 11 سبتمبر بفعل سياساتها صحيح أنه لم تقع أي عمليات إرهابية على الأراضي الأميركية.

إلا أن ذلك اقترن بتزايد هذه العمليات في عواصم ومناطق أخرى من العالم. وقد يضيق المجال عن حصر العمليات الإرهابية التي جرت في عدد من عواصم ومدن العالم المختلفة في شرقه وغربه في مرحلة ما بعد سبتمبر والتي اتسعت رقعتها وامتدت من اندونيسيا حتى أسبانيا مرورا بالعراق وغيرها من الدول العربية والأوروبية الأخرى.

تفاقم الإرهاب

ويلخص تقرير للخارجية الأميركية ذاتها هذه الرؤية حيث يشير في رصد للإرهاب الدولي عام 2005 الى أن هناك نحو 11 ألف هجوم نفذت في أماكن مختلفة من العالم مما أسفر عن مقتل أكثر من 14600 شخص معظمهم في العراق وهي أرقام أعلى بكثير من عام 2004 الذي سجل 651 هجوما و1907 قتلى.

ووفقا للتقرير فقد كانت حصة العراق أكثر من 30% من الهجمات في العالم حيث شهد في 2005 نحو 360 هجوما انتحاريا ونحو 55% وهو ما يمثل 8300 من إجمالي عدد القتلى. ولعل ذلك ما دعا شخصية مثل هيلاري كلينتون إلى التأكيد على أن بوش فشل فشلا ذريعا في غزوه للعراق على ا لنحو الذي ألقى بتأثيره على الدور الأميركي في العالم.

وتكشف النظرة المتأنية عن أن حصاد سبع سنوات من سياسات الإدارة الأميركية يؤكد على ضرورة مراجعة أسس هذه السياسة وهو أمر أصبح قاب قوسين أو أدنى مع قرب مغادرة الرئيس الأميركي بوش وفريقه البيت الأبيض سواء لصالح مرشح آخر ديمقراطي قد يختلف الى حد كبير في سياساته عن بوش، أو حتى لمرشح جمهوري، قد لا يسير شبرا بشبر وذراعا بذراع وراء سياسات الإدارة السابقة.

بغض النظر عن مساعي الرئيس بوش التأكيد على التزام خلفه بسياساته وهو ما تبدي في امتداحه لماكين بقوله «'إننا نحتاج إلى رئيس يفهم دروس وعبر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 من أجل حماية أمريكا، يجب أن نحافظ على وضعية الهجوم وإيقاف الهجمات قبل وقوعها وليس انتظار أن نضرب مرة أخرى».

ويتزايد مثل هذا الاحتمال مع الضغوط التي تمثلها الدول المشاركة في القوات العاملة في أفغانستان من أجل سحب قواتها من هناك. فضلا عن الضغوط التي يعكسها الواقع في العراق، والتي تجعل من مطلب تقديم صياغة أخرى للوجود الأميركي هناك أمرا لا مفر منه.

وهو ما يؤكد في النهاية في محاولة رصد ما حصل على مدار عام مضى بين احتفال مضى واحتفال يجري على تفاقم المأزق الأميركي على مستوى تعاطيه مع بقية أعضاء النظام الدولي، وفي الوقت ذاته إنكشاف توظيفه السياسي للهجمات على النحو الذي يحقق استراتيجيته الأمر الذي انقلب عليه بالسوء.

إضاءة

في محاولة للتأكيد على التماسك بين الأميركيين جاء قرار المرشحين لخوض سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة الجمهوري جون ماكين والديمقراطي باراك اوباما بالظهور معا في مدينة نيويورك بمناسبة إحياء الذكرى السنوية السابعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقد اتفق المرشحان على ألا يبثا إعلانات تلفزيونية ناقدة لأي منهما أمس الخميس حيث أكد القائمون على حملة ماكين أنهم لن يسمحوا البتة ببث مثل تلك الإعلانات.

مصطفى عبد الرازق