لا يكاد صوت مدفع الإفطار في شهر رمضان يخفت حتى تبدأ عشرات الفضائيات بإخراج ما خبأته طوال العام من أعمال درامية تزخرف شاشاتها، في حين تصبح المقاهي والخيام الرمضانية في حالة استنفار لاستقبال زوارها من صائمي النهار وساهري الليل، لتبدو وكأنها تحولت إلى تجارة رابحة.
ولا يتوقف الأمر عند حدود البث الدرامي الذي وصل مجموعه هذا العام إلى 760 ساعة يوميا، أو الخيام، إنما يتعداها نحو الكثير من الأشكال والعادات التي أصبحت ترتبط عضويا برمضان، وتعيش في حضن كلمة «حصريا» التي لا تكثر إلا في هذا الشهر الفضيل. ونظرا لأن الشباب يمثلون الجزء الأكبر في المجتمع، وبالتالي قد تكون نسبة إقبالهم على مظاهر رمضان الحديثة ـ إن صح التعبير ـ أعلى من الأجيال الأخرى، لكثير من الاعتبارات، أولها «فوعة الشباب» وارتفاع طاقاتهم، وتعبئة أوقات فراغهم.
وبناءً على ما سلف، الى اي حد ترضي مثل هذه المظاهر الشباب، وهل يمكن اعتبارها نتيجة طبيعية لما تشهده حياتنا من سرعة وعصرنة، وان كانت كذلك، فما هي طبيعة الشكل الذي يتمنى الشباب رؤيته في رمضان؟ في استطلاعنا هذا شكلت المسلسلات والخيام «الرمضانية» نقطة جدل صاخبة بين الشباب، متسائلين عن سبب ظهورها في شهر رمضان فقط، وغيابها عن بقية أيام السنة. يقول خالد وليد (موظف) الذي عبر عن استغرابه من العديد من المظاهر التي لا تبرز إلا في رمضان، وتمنى قدوم رمضان بدونها: استغرب من توجه الفضائيات إلى إنتاج مسلسلاتها فقط لشهر رمضان، وكأن الموسم أصبح محصوراً في رمضان فقط، وفي تقديري هذه مشكلة كبيرة تواجهنا، فكيف لنا أن نوزع أوقاتنا في ظل التزاحم الذي تشهده شاشات الفضائيات.
والأمر ذاته ينطبق على الخيام، وإن كان الاختلاف بينهما ان الأخيرة لا ترتادها إلا فئة قليلة من الشباب أو العائلات، وحتى وان كان عليها إقبال كبير فعادة يكون في نهاية الأسبوع، وبالتالي فهي لا تشكل عبئا علينا. ويلقي خالد باللوم على وسائل الإعلام التي يجب أن يكون لها دور في ايضاح ما يحدث على ارض الواقع، حيث قال: يجب على الإعلام أن يلعب دوراً أفضل من ذلك بأن يرقى بمستوى تفكير الناس، وأن يعمل على توجيههم نحو الوجهات الصحيحة التي تمكنهم من الاستفادة من الشهر الكريم.
مظاهر غريبة
وأبدى رشاد عبد الكريم، (موظف)، معارضة واضحة لما يصاحب شهر رمضان من مظاهر حديثة، واصفا إياها بالغريبة على المجتمع العربي، حيث قال: ما يصاحب رمضان من مظاهر سواء مسلسلات أو خيام أو سهرات أوغيرها، تعتبر غريبة على المجتمع العربي، وهي من إفرازات عصر التكنولوجيا الحديثة. ويواصل: بلا شك مثل هذه المظاهر افقدت رمضان الكثير من روحانيته، وغيرت من شكله الديني الذي يجب أن يكون عليه، ليتحول من شهر الطاعة الى شهر مسلسلات وسهرات وتخمة فقط.
من جهة اخرى، شدد رشاد على انه يجب على الإعلام باعتباره احدى الوسائل الفاعلة في المجتمع لعب دور آخر يعمل على توعية الناس وتثقيفهم. أما هاني عبد الغني (موظف) فقد علق على الموضوع بالقول: يجب علينا احترام حرمة الشهر الكريم، وعدم استقباله بكميات هائلة من المسلسلات التي باتت تسيطر بقوة على أوقاتنا جميعاً سواء في الليل أو النهار.
وهذا بلا شك يمثل مشكلة للجميع، فعدا عن أنها فاقدة للمضمون والرسالة فهي تؤدي أحيانا كثيرة إلى فقدان البعض لعلاقاتهم الاجتماعية نتيجة لمتابعتها، واشار هاني إلى أن التلفزيون استطاع أن يغيب دور الأسرة، وأن يجمع أفرادها حوله بعد أن كانوا يجتمعون حول بعضهم البعض.
أمور معكوسة
أما محمد موسى (طالب جامعي) الذي تمنى رؤية الجميع وقد تلمسوا روحانية رمضان، فقال: معروف أن رمضان شهر مقدس، يتقرب فيه الناس إلى الله من خلال صومهم وقيامهم، والصوم يجب ألا يكون عن الطعام فقط بل عن كل شيء، والمشكلة أن الأمور أصبحت لدينا معكوسة تماماً، فنحن نقضيه في النوم وتحضير سفرة الطعام ومن ثم تحضير أنفسنا لمشاهدة أكبر كم ممكن من المسلسلات التلفزيونية أو قضاء وقت طويل في الخيام الرمضانية التي تحولت إلى تجارة تنشط في رمضان فقط.
بالمقابل اعتبر سامح عبدالله أن السهرات الرمضانية جزء من عملية تجارية، وتتناقض مع المعنى الحقيقي للشهر، واتفقت معه اليسار حميد التي ترى ان الناس باتوا أقل روحانية وتغاضوا عن معاني الصوم الحقيقية خلال شهر رمضان، وفي الوقت ذاته عبرت عن اسفها لطغيان الحفلات والولائم والمظاهر على المعنى الديني للصوم.
وقال محمد سليمان: أنا من محبي السهر، ولكنني لا أسهر خلال شهر رمضان المبارك احتراماً لقدسيته. بالمقابل انتقد التحول الحاصل في سلوكيات شريحة كبيرة من الناس الذين يقبلون على السهرات الرمضانية بكثافة. ويعلق: كثير من الناس يسهرون طوال الليل وينامون النهار حتى حلول موعد الإفطار، الأمر الذي يتناقض والمعنى الحقيقي لشهر رمضان.
وتذهب الطالبة الجامعية فرح إلى أبعد من الانتقاد معتبرة أن شهر رمضان خسر معناه والهدف المرجو منه بالدرجة الأولى نتيجة لهذه المظاهر. وعلقت الطالبة الجامعية سلمى حيدر على الموضوع بالقول: في شهر رمضان أحاول دائما الالتزام بكافة مشاعره وروحانيته.
ولكن لا احرم نفسي متعة مشاهدةألا المسلسلات الرمضانية على الفضائيات العربية، والخروج احيانا مع صديقاتي لقضاء بعض الوقت في احدى الخيام الرمضانية الملتزمة أو لشراء بعض الحاجيات. وفي النهاية، يبدو أن الانفتاح بدّل الكثير من المفاهيم عند الشباب، خاصة الدينية منها، ولكن برغم ذلك يبقى البعض منهم متمسكا بخيوط تربطه بدينه، حتى وان اعتبرها البعض خيوطاً رفيعة.
غسان خروب