وسط خضم من متغيرات تحيط بالطقوس الرمضانية، وتزداد عاما بعد عام لتلقي بظلالها على ما تبقى من التقاليد الأصيلة التي ما زالت عالقة في أذهان من عاصروها، وسط هذا الخضم.. يأتينا من ذاكرة أيام الزمن الجميل صوت المسحراتي مدغدغا صمت الليالي ومداعبا أحلام النائمين ليستيقظوا على دقات وإيقاع طبلته، واليوم.
ونحن في حضرة الشهر الفضيل، نتوقف مليا مع جذور «مهنة» المسحراتي لنلقي الضوء على بداياتها ومراحل تطورها، ثم نعرج على مظاهرها في الإمارات من خلال ذاكرة من عايشوا أو اقتربوا بأعمارهم من بقايا ذلك الطقس الأصيل، منوهين بأن مهنة المسحراتي كان لها حضورها الطاغي والمميز خلال شهر رمضان في جميع الدول العربية والإسلامية حتى وإن اختلفت أساليبها من دولة لأخرى.
لكن تبقى الجذور التي نهل منها الجميع، وتبقى أيضا مظاهر التطور التي شاعت في العصر الحديث وانتشرت في معظم الدول العربية بالصورة المطبوعة في الأذهان والصوت المتردد في الآذان، أما وقد سيطرت التقنية وتبدلت الأحوال وانسلت المتغيرات من تحت عباءة العصرية فلا شيء باق من المسحراتي، اللهم إلا من ذكريات يحاول البعض التمسك بها حفاظا على إرث جليل.
وجدير بنا في البداية أن نعود إلى صدر الإسلام ونتذكر قول الرسول صلوات الله عليه وسلامه «إن بلالا ينادي، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، وكان بلال في ذلك الوقت يجوب الطرقات وقت السحور وينادي بصوته العذب ليوقظ الناس كأول مسحراتي في التاريخ الإسلامي، أما ابن أم مكتوم فكان موكل إليه رفع الآذان آنذاك، ومنذ ذلك الوقت أصبح المسحراتي علامة في شهر رمضان.
وتطور أداؤه من حيث العبارات التي تقال أو تنغيم النداء، ثم أخيرا إضافة النقر على الطبل بإيقاع مميز، ولكن تبقى مفارقة عجيبة تكمن في بقاء فانوس رمضان الذي بدأ مع المسحراتي، فقد كان يستعين دائما بطفل يمسك بفانوس يضيء عتمة الطرقات، وعلى غرار هذا الفانوس انتشرت فوانيس رمضان في أيدي الصغار وأصبحت طقسا من الطقوس الجميلة.
غير أن المتغيرات قد طالت الفانوس وأصبح الآن ليس أكثر من زينة رمضانية يعلق على أبواب المحلات التجارية والخيام «الرمضانية»، وإذا استثنينا قلة من المسحراتية الذين يتمسكون بمهنتهم في بعض الدول العربية كنوع من التحدي وكإبقاء على مهنة ورثوها عن أجدادهم وآبائهم، إلا أن المسحراتي أصبح كفانوسه زينة في الخيام الرمضانية، يدور على الطاولات وقت السحور ربما ليوقظ مدخني «الشيشة» من غفلتهم!.
لقد مرت مهنة المسحراتي بعدة منعطفات وكانت عرضة للانقراض أكثر من مرة، وتذكر كتب التاريخ أن والي مصر عتبة بن إسحاق لاحظ أن الناس لا ينتبهون جيدا لمواعيد السحور، وليس هناك من يقوم بتنبيههم، فتطوع هو بنفسه ليقوم بهذه المهمة وراح يجوب الشوارع مناديا «عباد الله تسحروا فان في السحور بركة»، وفي عصر الدولة الفاطمية صدر أمر من الحاكم لجنوده بأن يمروا على البيوت ويدقوا على الأبواب لإيقاظ الناس للسحور.
وبعدها تم تخصيص رجل ليقوم بمهمة المسحراتي وكان ينادي في الناس قائلا «يا أهل الله قوموا تسحروا» وكان يدق على أبواب البيوت بعصا يحملها في يده، وفي مرحلة لاحقة تطورت مهنة المسحراتي وأدخل أهل مصر النقر على الطبلة أثناء النداء، وفي بلاد الشام كان للأهالي طقوسهم الخاصة، فقد أدخلوا العزف على الصفافير وهم يرددون التواشيح الخفيفة، ويتفق معهم في هذا الاتجاه أهل المغرب العربي.
وعن مهنة المسحراتي في الإمارات يقول عبيد بن صندل (الكاتب والباحث في التراث): هذه المهنة لم تأخذ حقها كما ينبغي لأنها لم تعمر طويلا في الإمارات خلال السنوات الأخيرة، وقد لا يوجد بيننا اليوم من عاصر المسحراتي وهو كبير ليعرفنا بأسماء من عملوا في هذه المهنة.
والآن وبعد السنوات الطويلة التي عشتها أنت تذكرني بشيء يكاد ينمحي من ذاكرتي، لقد كنت صغيرا عندما كان المسحراتي يطوف ليلا ببيوت الفريج يوقظ النائمين وهو ينقر على طبلته قائلا «السحور يا عباد الله»، وأذكر أن من كان يعمل في هذه المهنة هم من الناس الفقراء الذين لا مهنة لهم، وكانوا يترزقون من عدة أعمال بسيطة ومختلفة طوال العام من بينها إيقاظ الناس في شهر رمضان وقت السحور.
وفي بداية الشهر ومنتصفه وآخره كان الأهالي يعطون للمسحراتي بعض المأكولات أو الطحين أو التمر، وكان عطاء النقود مقتصرا على قلة من الشخصيات مثل التجار أو الشيوخ، ربما لا تسعفني الذاكرة كثيرا ولا تحضرني أسماء من عملوا كمسحراتية وهم كثر، فلكل فريج كان له مسحراتي خاص به، ليس في الشارقة فقط، وإنما في كل فريج وحي من أحياء الإمارات.
غير أنني أذكر نداءات الجيران ليوقظوا بعضهم البعض قبل أن يسمعوا صوت المسحراتي، كما كان تعاونهم وتبادلهم لأطباق الطعام سواء في الإفطار أو السحور، وإذا كانت مهنة المسحراتي قد اختفت فذلك للتطور الكبير الذي أصاب حياتنا الآن، فلم يعد هناك معنى ليوقظنا المسحراتي وغالبية الناس تسهر أمام التلفاز وتتابع البرامج والمسلسلات، أو تسهر في الأماكن العامة والخيام الرمضانية.
ويقول حارب عمير سلطان: ربما أكون قد سمعت صوت المسحراتي لمرات قليلة وأنا صغير، لكن من المؤكد لا تحضرني الذاكرة لسرد التفاصيل، وكل ما سمعته وعرفته عن مهنة المسحراتي عندنا في الإمارات أنها كانت تتم بتسمية الشخص واختياره من قبل الأهالي، وعملية الاختيار تكون لمن هو أكثر حاجة من غيره للمساعدة، أي أن فيها تعاضدا وتعاونا بطريقة غير مباشرة لا تجرح مشاعر من يقع عليه الاختيار.
وكانت بعض الأسر في نهاية شهر رمضان تعطي المسحراتي الطحين وبعضها يعطي التمر أو الأرز، أما النقود فقد كانت بسيطة جدا وتصل بالكاد إلى ريال من التجار أو الشيوخ، غير أن الإيقاظ للسحور كان موجودا في نداء النسوة على بعضهن البعض بحكم الجيرة، أما عمل المسحراتي فقد توقف في الإمارات منذ زمن طويل بحكم التطور والاعتماد على ضبط الساعات على موعد السحور، هذا إذا لم يكن هناك سهر أمام شاشات التلفزيون أو في المقاهي الشعبية وغيرها.
فهل سينادي المسحراتي على أناس مستيقظين؟، وأظن أنه حتى ولو وجد المسحراتي الآن فسيكون بطريقة عصرية مغايرة كما يحدث في بعض الدول، كأنت تمارس المهنة من خلال مكبر للصوت مثبت على سيارة تطوف الشوارع.
هكذا كانت مهنة المسحراتي تنبيها وحثا للمسلم على الاستعداد لأداء فرض من فروض الإسلام، لكن المهنة تجاوزت هذه الجزئية وأصبحت في كثير من الأحيان سمة من سمات التعاضد بين الناس وتراحمهم في الشهر الكريم، علاوة على أنها تحولت إلى شكل من أشكال الفنون الفلكلورية بتضمنها الأشعار والحكم والموعظة التي تؤدى على إيقاعات لها صداها في النفوس.
لكن يبقى الجور قائما على المسحراتي ومهنته في السنوات الأخيرة على مستوى الوطن العربي والإسلامي أيضا، فمن تلاشيه من معظم المدن العربية الكبيرة وطغيان «المحدثات» الرمضانية عليه، إلى الخلاف الكبير في تركيا بين مؤيد ومدافع عن استمراره ومن هو منزعج من صوته وطبلته، وبين هذا وذاك يظل المسحراتي في ذهن من عايشوه صوتا نديا ولحنا شجيا وكلمة محملة بالمعاني السامية.
إضاءة
تعرضت مهنة المسحراتي للانقراض حديثاً، وتذكر كتب التاريخ أن والي مصر عتبة بن إسحاق لاحظ أن الناس لا ينتبهون لمواعيد السحور، وليس هناك من يقوم بتنبيههم، فتطوع بنفسه ليقوم بهذه المهمة وراح يجوب الشوارع مناديا «عباد الله تسحروا فان في السحور بركة»، وفي عصر الدولة الفاطمية صدر أمر من الحاكم لجنوده بأن يمروا على البيوت ويدقوا الأبواب لإيقاظ الناس للسحور.
وبعدها تم تخصيص رجل يقوم بمهمة المسحراتي وكان ينادي في الناس قائلا «يا أهل الله قوموا تسحروا» وكان يدق على أبواب البيوت بعصا يحملها في يده، وفي مرحلة لاحقة تطورت مهنة المسحراتي وأدخل أهل مصر النقر على الطبلة أثناء النداء، وفي بلاد الشام أدخل الناس العزف على الصفافير وترديد التواشيح الخفيفة، ويتفق معهم في هذا الاتجاه أهل المغرب العربي.
عز الدين الأسواني