في روايته «شيفرة دافنشي» ـ وهى رواية ذات بعد يتعلق بالدين ـ يصور لنا دان براون مشهدا عرضيا لطقس ديني يتحول إلى النقيض تماما على نحو يسبب انزعاجا بالغا لحفيدة بطل الرواية. وعلى المنوال ذاته يمكن القول، مع بعض الفروق، إن شهر رمضان في عالمنا الإسلامي قد انتابته بعض التحولات التي تثير قدرا كبيرا من الانزعاج لدى الكثيرين ما يجعل السؤال مشروعا ..

إلى أين يأخذ المسلمون الشهر الفضيل؟ وإذا كان من الصحيح أن أحفادنا ، الجيل المقبل وليس أكثر، قد يحسدون أجدادهم ـ الذين هم نحن ـ كثيرا على الأوضاع يحيونها باعتبار أن المسلمين اليوم يجدون وقتا لأداء العبادة والطقوس الدينية للشهر الكريم إلى جانب الطقوس الحياتية البعيدة عن طبيعة الشهر والتي اخترعوها، فيما هم لا يجدون لحظة لأداء أي نوع من العبادة بفعل طغيان خريطة اللهو، إلا أن الوقفة مع النفس بشأن رمضان تبقى مطلوبة في أي الأحوال.

هناك الكثير ممن يمكن قوله في هذا الصدد، والتأمل في واقعنا الحالي أو حتى إعمال الخيال يكشف عن سيناريوهات لا يحتمل العقل المسلم مجرد طرحها أو حتى التفكير فيها، رغم أننا سائرون إليها شئنا أم أبينا. الأمر باختصار أن المسلمين قد نأوا في تعاملهم مع رمضان على نحو أصبحوا معه آخر ما يكونون عن مقاصده على كافة المستويات.

الإفاضة واردة ولكن يكفي في هذا الخصوص الإشارة إلى بند واحد فقط يتعلق بالأكل والشراب في رمضان، فرغم أنه حال التطبيق السليم لمفاهيم الصيام من المفترض أن يتراجع مستوى الاستهلاك في هذا الشهر، إلا أن الغريب أن الأرقام تشير إلى أن الشهر أصبح مرتبطا بأزمة ليست على صعيد الأفراد والأسر فقط وإنما على صعيد الدول، بل وامتدت الأزمة إلى النظام الاقتصادي الدولي الذي أصبح مطلوبا منه أن يستعد جيدا لمواكبة ارتفاع مستوى الاستهلاك لدى المسلمين خلال رمضان.

هذا على مستوى المقصد من فريضة الصيام ذاتها، أما على مستوى الجوانب الأخرى المتعلقة بطبيعة الشهر والمتمثلة في العبادة، فإن المسلمين يبدون وكأنهم سائرون في الاتجاه العكسي، فالفضائيات تخوض منافسة شرسة على كسب عقل وقلب المسلم خلال الشهر بشكل يتطلب دراسة متأنية حول أبعاد هذه المنافسة، الأمر الذي لا يعكس، من وجهة نظرنا، بعدا اقتصاديا يتمثل في حصيلة الإعلانات فقط، وإنما في أبعاد أخرى يضيق المجال عن تناولها.

ويتطلب الأمر أن يبذل المرء جهدا جهيدا للقيام فقط على حصر كم البرامج الترفيهية من مسلسلات وخلافه والتي تعد خصيصا للبث خلال رمضان، وسنكتشف أنها تفوق بكل تأكيد عدد ساعات الشهر الفضيل، ما يعني أن الأمر قد يتطلب من المسلم الذي يقع في حبائل إدمان الفضائيات أن يمضي الأربع والعشرين كاملة غير منقوصة أمام الشاشة دون نوم أو عمل أو طعام وشراب، وبالطبع دون عبادة.

إذا أضفنا إلى ذلك مجالات «الترفيه» الأخرى من خيام رمضانية خاصة أخذ بعضها طابعا يثير الشبهات، فضلا عن برامج الفنادق المختلفة وحفلات الشيشة وغيرها ممن قد يقصر المجال عن استعراضه بالتفصيل، أدركنا حقيقة الأزمة التي يصادفها المسلم خلال الشهر، والتي لا يمكن القول معها سوى بأن هناك عملية ممنهجة ومدروسة جيدا لتغيير هوية رمضان. سيقول «القشوريون» من الناس ما بال أصحاب هذه الرؤية يبالغون في التشاؤم وقد امتلأت المساجد عن آخرها في صلوات التراويح والفجر حتى قد لا يجد المرء مكانا للصلاة.

ذلك مظهر آخر من مظاهر المشكلة أو الأزمة، إن صح التعبير، فعدد كبير من هؤلاء هم أنفسهم رواد الخيام الرمضانية وأسرى الإدمان التلفزيوني، إلا من عصم ربك، حتى أن المرء ليشعر أن لسان حال البعض يقول :ائت برمضان غير هذا أو بدله. والإجابة: ذلك أمر يتجاوز الاستطاعة، فليس لنا أن نغيره من تلقاء أنفسنا، فإما قبول رمضان وفق ما حددته القواعد الدينية الصحيحة.. أو .. !!

mostafa1962@yahoo.com