في مقالة نشرت على صفحات هذه الجريدة الشهر الماضي تحت عنوان «غواية التشويه وضرورة الانفتاح»، كنا قد أشرنا إلى ضرورة المبادرة إلى فتح حوارات بين مكونات المجتمعات التي لها يد في الصراعات الدائرة حول العالم وفي مقدمتها ما تسميه الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب.

في حين يتحدث خبر نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، منذ بضعة أيام، عن أن وزيرة خارجية سويسرا ميشلين كالمي أعربت عن استعدادها للتحاور وحتى الجلوس إلى طاولة واحدة مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ودعت في كلمتها أمام السفراء السويسريين المجتمعين في بيرن إلى فتح النقاش مع الفاعلين السياسيين المؤثرين على الساحة الدولية. مقاصد المسؤولة السويسرية لا تخفى على أحد، فهي ليست متعاطفة مع هذه القوى السياسية، لكنها تعتبر أنه من غير المنطقي ساعة السعي إلى حلول تجاهل منظمات مثل حزب الله اللبناني أو القوات المسلحة الكولومبية أو متمردي التاميل في سريلانكا أو جيش الرب في أوغندا، ذلك أن هذه القوى تشكل في نهاية المطاف جزءا من المشكلة إن لم تكن أحد عناصرها الرئيسية وبالتالي فإنه من المنطقي أن تشكل جزءا من الحل أيضا.

المسؤولة الغربية ترى أنه لا غضاضة في اللجوء إلى لغة انسانية حضارية لا تعيب أحدا، تلك هي لغة الحوار، خاصة وأنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذا الحوار لا يؤدي بالضرورة إلى القبول بما لا يمكن قبوله، وقد يؤدي أحيانا إلى طرق سياسية مسدودة ومعقدة وحتى إلى احباطات، كما حصل في الوساطة السويسرية في كولومبيا، لكن كل ذلك لا يلغي ضرورة القيام بالمحاولة، فللكلمة والحوار قيمة تسمو أحيانا على مدلولاتهما المباشرة وتتخطى الأبعاد السياسية المطروحة على بساط البحث، لا بل إنها حتى توفر حجة ملائمة لمن يريد استخدام أساليب أخرى في حال الفشل.

كل المعتقدات تؤكد على أهمية الكلمة وأنها مستهل النشوء ووسيلته ومآله الأخير، ولقد أصابت كالمي عين الحقيقة حين أكدت في معرض حديثها نفسه آنف الذكر أن اعتماد الحوار في السياسة الخارجية يخدم مباشرة المصالح السويسرية، معتبرة أن مقام كل بلد في العالم مرتبط بمساهمته في حل المشكلات العالمية، وليس في تعقيدها على النحو الذي تمارسه الولايات المتحدة في غير مكان من العالم.

لكن مشكلة المسؤولة السويسرية تكمن في أنها لا تدرك على ما يبدو أن صناع القرار في السياسة الدولية الحالية عموما والسياسة الخارجية الأميركية على وجه الخصوص لا يصغون إلى كلامها ولن يلبوا دعوتها في يوم من الأيام، ليس لأنهم صم بكم لا يفقهون، بل لأنهم مدركون لمصالحهم الضيقة حق الإدراك ويعرفون تماما أن نشوء واستمرار تلك المصالح مرهون باللجوء إلى وسيلة العنف، ليس لفض النزاعات وحل المشكلات العالمية وإنما لفرض هيمنتهم بالقوة على الآخر وإنكار وجوده نهائيا طالما هم قادرون على فعل ذلك.

وهذا يعني أن تلك الهيمنة تقوم على مبدأ حق القوة وليس قوة الحق، فالذي يحكم منطق الحوار يختلف تماما عن الذي يحكم منطق العنف، فالأول ينطوي على اعتراف بالآخر بينما الثاني ينكره، الأول يخلق جسرا للتواصل ومناخا للتعايش السلمي بين الناس، بينما الثاني يعمق القطيعة ويحفر فجوة عميقة في جدار التواصل الانساني.

اللافت أن صانعي القرار على الساحة الدولية يصفون التنظيمات التي أشارت إليها المسؤولة السويسرية بأنها تنظيمات متشددة لا يمكن التعامل معها إلا على أساس أنها عصابات مسلحة خارجة على القانون يجب اجتثاثها على طريقة اجتثاث البعث العراقي، لكنهم يقومون في الوقت نفسه بإنشاء ورعاية وتمويل وتسليح جماعات أخرى لا تقل تشددا عن تلك التي يحاربونها؟

المرشحون للرئاسة الأميركية، على سبيل المثال، لا يفتحون حوارات مع الجماعات الدينية المتشددة في بلادهم فحسب، بل إنهم يطلبون ودها علانية صباح مساء، وكذلك الأمر في الدولة العبرية ـ واحة الديمقراطية كما يدعون ـ حيث لا يمكن لحزب أو تكتل أو شخصية سياسية الوصول إلى سدة الرئاسة أو الحكم من دون نيل رضى ودعم تلك الجماعات، التي وصلت درجة تشددها إلى حد تسليح نفسها وتدريب أعضائها على وسائل القتال نهارا وجهارا وعلى رؤوس الأشهاد، خلافا للجماعات التي ذكرتها رئيسة الوزراء السويسرية، التي صحيح أنها تقوم بكل ذلك لكن في الظل وليس في العلن.