هناك مثل شائع يقول: «إذا وقع الجمل كثرت سكاكينه». يبدو أن هذا المثل بات ينطبق إلى حد بعيد على الولايات المتحدة هذه الأيام. فبعد هزيمة جورجيا الأخيرة في مواجهتها مع روسيا إثر هجوم الأولى على إقليم أوسيتيا الجنوبية، والتي مثلت تحدياً صارخاً للولايات المتحدة التي تعتبر نظام سكاشفيلي حليفاً لها.
جاء قرار كوريا الشمالية الأخير بتعليق تفكيك برنامجها النووي ليوجه صفعة جديدة لواشنطن وإدارتها بقيادة جورج بوش. فالمراقب للوضع الدولي يلحظ حقيقة أنه ما كان لبلدان مثل كوريا الشمالية أو إيران أو حتى روسيا أن تتحدى الولايات المتحدة قبل تورط الأخيرة في حربيها على أفغانستان والعراق. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة في وضع لا تحسد عليه، فقواتها العسكرية منتشرة إلى أقصى طاقاتها في العراق وأفغانستان واقتصادها يعاني من مشكلات عديدة بعد أن استنزفت الحرب مواردها وتضافرت ظروف عديدة أدت إلى عجز تجاري هائل وتدهور قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى.
وكانت بيونغ يانغ قد أعلنت في بيان رسمي تعليق تفكيك منشآتها النووية والتهديد بإعادة التفكير باستئناف العمل في مفاعل يونغ بيون النووي الذي كانت قد قامت بتفجير برج التبريد فيه قبل أكثر من شهرين، وذلك رداً على امتناع الولايات المتحدة عن رفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وقد جاء هذا القرار الكوري بعد تعثر المفاوضات التي كانت جارية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة إثر مطالبة الأخيرة لنظام كوريا الشمالية بالتحقق من لائحة كانت قد قدمتها بيونغ يانغ في يونيو الماضي بأنشطتها النووية، وهو ما أقلق القيادة الكورية من احتمال تكرار ما جرى في العراق إبان حكم صدام حسين من انتهاك للسيادة الوطنية واستباحة الأراضي بحجة التحقق من إجراءات التخلص من المنشآت النووية.
وقال المتحدث باسم حكومة كوريا الشمالية في إذاعته للبيان إن «إبقاءنا على لائحة الدول التي لا تهينها الولايات المتحدة ليس مشكلة بالنسبة لنا» مؤكدا أن طلبات الولايات المتحدة بالقيام بعمليات تفتيش هي «انتهاك» لسيادة بلاده. وأضاف إن «الولايات المتحدة تخطئ إذا اعتقدت أنها تستطيع القيام بعمليات تفتيش كما فعلت في العراق».
وجاءت ردود الفعل على الإعلان الكوري لتعكس رغبة دولية في عدم عودة كوريا الشمالية إلى استئناف برنامجها النووي وقلقاً لدى دول الجوار من تداعيات القرار الكوري. فقد اعتبرت الولايات المتحدة الإعلان الكوري خطوة إلى الوراء وتراجعاً عن التزاماتها التي قطعتها على نفسها في المفاوضات السداسية بأن تنتهي من تفكيك منشآتها النووية مع نهاية شهر أكتوبر المقبل. وأعربت وزارة الخارجية في كوريا الجنوبية عن أسفها لقرار جارتها الشمالية، مشيرة إلى أنها ستجري مشاورات مع الأطراف الأخرى في المحادثات السداسية لمحاولة البدء من جديد في عملية تفكيك منشآت بيونغ يانغ النووية.
وفي طوكيو، دعا رئيس الوزراء الياباني الجارة الشيوعية إلى الوفاء بتعهداتها والتخلي عن برامجها النووية وفق البرنامج المتفق عليه. وأشار ياسو فوكودا إلى أن بلاده ستتعاون مع الولايات المتحدة والدول المشاركة في المحادثات السداسية في هذا السياق. ولم تشذ الصين وروسيا عن الدول الأخرى الأعضاء في المحادثات السداسية في موقفيهما من الإعلان الكوري، حيث عبرت الصين عن قلقها وانزعاجها من القرار الكوري وهكذا فعلت روسيا وإن جاء على لسان محلل روسي بأن ما فعلته بيونغ يانغ يعد أمراً طبيعياً في الحرب الباردة التي أعلنتها واشنطن.
وصدر قرار بيونغ يانغ بعد مغادرة الرئيس الصيني هو جينتاو سيئول بعد يومين من المحادثات مع نظيره الكوري الجنوبي لي ميانغ باك، الذي تعهد لدى تسلمه السلطة مطلع العام الحالي بالتعامل بصرامة مع الجارة الشمالية إذا لم تتخل عن طموحاتها النووية. ويرى محللون أن توقيت زيارة هو جينتاو إلى كوريا الجنوبية أثار إحباطا كبيرا من قبل الجارة الشمالية.
ألاويعتقد مراقبون أن حرب القوقاز بين روسيا وجورجيا وما تبعها من سقوط هيبة الولايات المتحدة كان لها أثر في القرار الذي اتخذته بيونغ يانغ، حيث دفعتها للتصعيد ورفع سقف مطالبها التفاوضية، وقد نراها تفرض شروطا جديدة تختلف عن تلك التي فرضتها في السابق خاصة أن روسيا هي جزء من المحادثات السداسية، وهي معنية بلا شك بزيادة مصاعب واشنطن في مناطق مختلفة من العالم حتى ولو لم تعلن أي صلة لها بالقرار الكوري.
ضرار عمير