يعتقد المراقب للحملات الانتخابية للرئاسة الأميركية سواء الديمقراطية أو الجمهورية، للوهلة الأولى، أنه أمام انتخابات تجرى في إسرائيل وليس في الولايات المتحدة نظراً للتركيز الذي تحظى به إسرائيل في تلك الحملات.

فلا يمل مرشحا الرئاسة الديمقراطي باراك أوباما والجمهوري جون ماكين ولا يكلان عن إعلان التأييد لإسرائيل والتعهد بحماية أمنها بل ويتنافسان في إثبات مدى الاستماتة في الدفاع عن إسرائيل ووجودها وتفوقها على الأمة العربية بحكوماتها وقياداتها مجتمعة.والحقيقة هي أنه منذ قيام إسرائيل عام 1948 ككيان زرع في قلب الأمة العربية والولايات المتحدة تدعم بشكل متحيز جداً الكيان الصهيوني، وقد تبادل الديمقراطيون والجمهوريون المواقف فيما يتعلق بإسرائيل. ففي الفترة الأولى، أي من عام 1948-1970، تعاطف الديمقراطيون بدرجة أكبر من الجمهوريين مع الدولة اليهودية. وبينما اهتم الديمقراطيون بالروابط الروحية، مال الجمهوريون إلى رؤية إسرائيل كدولة ضعيفة وسط بحر من الدول المعادية يقع على الولايات المتحدة واجب مساندتها.

أما الفترة الثانية فقد بدأت في حوالي عام 1970 واستمرت 20 عاما. ففي أعقاب انتصار إسرائيل في حرب يونيو، رأى الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون، وهو جمهوري، في إسرائيل دولة قوية عسكريا وحليفا مفيدا. وهذا التحول في الرؤية جعل موقف الجمهوريين من إسرائيل يقترب من موقف الديمقراطيين. ومع انتهاء الحرب الباردة عام 1990، بدأت الفترة الثالثة، التي شهدت برود مشاعر الديمقراطيين تجاه إسرائيل وازدياد مشاعر الجمهوريين دِفئا، حيث قام المحافظون في الحزب الجمهوري بتعميق تحالفهم الديني والسياسي مع إسرائيل. وازداد هذا الاتجاه وضوحا مع الأيام. ففي عام 2000 كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جيمس زغبي، الناشط الديمقراطي اليساري المناهض لإسرائيل، عن وجود «انقسام حزبي هام» حول الصراع العربي ـ الإسرائيلي، حيث كان الجمهوريون أكثر تأييدا لإسرائيل من الديمقراطيين.

وكشف استطلاع حديث للرأي أجراه معهد غالوب عن أن 72% من الجمهوريين و47% من الديمقراطيين يتعاطفون مع الإسرائيليين بدرجة أكبر من تعاطفهم مع العرب الفلسطينيين، وتكشف النظرة الدقيقة الباحثة في تفاصيل هذه البيانات عن نتائج أكثر درامية تتمثل في أن تعاطف الجمهوريين المحافظين مع إسرائيل، يزيد عن تعاطف الديمقراطيين الليبراليين مع إسرائيل بمقدار خمسة أضعاف. إن برودة مشاعر الديمقراطيين تجاه إسرائيل تنسجم مع نمط أكبر، يتكوّن من نظريات المؤامرة التي تتعلق بالمحافظين الجدد، والتعبير العنيف عن المشاعر المعادية من قبل نجوم الحزب، أمثال جيمي كارتر، وجيسي جاكسون، وسينثيا ماكيني، وجيمس موران.

متى تخسر إسرائيل؟

قد يكون لهذه التطورات نتائج وآثار هامة وعميقة ذات صلة بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد يأتي يوم ينتهي فيه الاستمرار والتواصل في سياسات البيت الأبيض اتجاه إسرائيل، بغضّ النظر عن الانتماء الحزبي للرئيس، ويحل محل الاستمرار والتواصل تغيير كبير وأساسي كلما تغير الحزب الذي ينتمي له رئيس الولايات المتحدة. وعندما يتحطم الإجماع السياسي في الولايات المتحدة إزاء إسرائيل، ستكون إسرائيل هي الخاسرة بالتأكيد.

تنشغل الولايات المتحدة كل أربع سنوات بانتخاب رئيس جديد لها يقودها خلال السنوات الأربع المقبلة، وكالعادة يقدم كل مرشح للرئاسة برنامجاً انتخابياً يشمل رؤاه لحل المشاكل والتحديات المختلفة التي تواجه المواطن الأميركي في قضايا تشمل الاقتصاد والصحة والهجرة والتعليم والأمن وقضايا أخرى بما في ذلك السياسة الخارجية. وكالعادة أيضا، تبرز إسرائيل كأحد أهم العوامل في تقرير من يصل إلى البيت الأبيض ومن يتعثر ويسقط في وسط الطريق. أما العرب فهم يقفون متفرجين على ما يحدث على أساس أن ذلك شأن أميركي داخلي، وأنهم سيتعاملون مع الرئيس القادم أيا كانت هويته وتوجهاته.

هذا الموقف العربي بديهي ومقبول بالطبع لو لم يكن للبيت الأبيض ذلك التأثير الكبير في مقدرات هذه المنطقة ومسيرة شعوبها. ولذلك فإن ما تفعله إسرائيل في ترجيح كفة مرشح على آخر يقع في صلب اهتماماتها ونشاطاتها، وتوظف من أجله كل طاقات اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة من أجل ضمان وصول المرشح الأكثر دعما لإسرائيل إلى البيت الأبيض. وبما أن اللوبي اليهودي لا يجد منافسة تذكر على الساحة الأميركية، فإنه يكون عادة مكونا أساسيا من مكونات نجاح أي رئيس أميركي في الانتخابات.

محاور التركيز الإسرائيلية

وتركز إسرائيل عادة على ثلاثة محاور رئيسية لضمان نجاح مرشحها: المحور الديني، والمحور الاستراتيجي، والمحور الدعائي. فمن الناحية الدينية، تعتمد إسرائيل على معتقدات للمتطرفين المسيحيين من التيار التبشيري، والذي ينتمي إليه المحافظون الجدد وما يسمى بالمسيحيين الصهاينة، والذين يؤمنون، من بين أمور أخرى، أن المسيح عليه السلام لن يعود إلا إذا قامت المعركة الفاصلة بين معسكر الأخيار ومعسكر الأشرار وهم يقصدون بذلك اليهود والمسلمين على التوالي. لذلك فهم يؤيدون التيار اليهودي المتطرف سعيا وراء تلك المعركة الفاصلة.

ومن الناحية الاستراتيجية، تلعب إسرائيل منذ تأسيسها دور الحامي الأول للمصالح الأميركية والغربية في الشرق الأوسط، ولم تتردد يوما من الأيام في تنفيذ أية مهمة أوكلت إليها في هذا المجال. والولايات المتحدة تعتمد اعتماداً كبيراً على إسرائيل في حماية مصالحها في المنطقة وتعتبرها الحليف الوحيد الذي يمكنها أن تثق به.

ومن الناحية الدعائية، يؤمن اللوبي الإسرائيلي بالطبع أفضل تغطية إعلامية للمرشح الذي يختاره، خاصة أن قنوات كبيرة وهامة في الإعلام الأميركي مملوكة بشكل مباشر ليهود ينتمون لتيارات صهيونية أو مؤيدة للصهيونية العالمية. هذه العوامل وغيرها تضع إسرائيل في قلب الانتخابات الأميركية، ولذلك لا غرابة في أن يتسابق المرشحون في إبداء تأييدهم لإسرائيل والحج إليها في فترة الانتخابات لضمان أصوات الناخب الأميركي الذي يتأثر بشكل أو بآخر بواحد أو أكثر من المحاور التي تلعب عليها إسرائيل.

والملاحظ في الانتخابات المزمع إجراؤها في نوفمبر من هذا العام الاهتمام الإسرائيلي المكثف بمواقف المرشحين من القضايا التي تهم الدولة العبرية، فوسائل الإعلام الإسرائيلية لا تدع شاردة ولا واردة إلا وغطتها في حملات المرشحين الانتخابية للوصول إلى البيت الأبيض، وخصوصاً ما يتعلق بمواقفهم المعلنة من إسرائيل والعرب، وتورد تحليلات لمختصين في الشأن الأميركي حول من هو الأكثر دعماً لإسرائيل من بين المرشحين، ومن الذي ستستفيد منه أكثر في حال انتخابه رئيساً للولايات المتحدة.

التخوف من أوباما

والآن بعد أن اقترب موعد الانتخابات وتحدد المرشحين الديمقراطي والجمهوري لانتخابات الرئاسة، باتت إسرائيل من خلال اللوبي اليهودي الفاعل في الولايات المتحدة أكثر حرصاً على معرفة المواقف الدقيقة للمرشحين واستشفاف الأكثر إخلاصاً من بينهما في خدمة المصالح الإسرائيلية من خلال طبيعة الأشخاص الذين يعينهم من حوله ومن هوية نائب الرئيس الذي يختاره.

وفي البداية، كان اليهود في الولايات المتحدة وإسرائيل بغالبيتهم يتخوفون من احتمال نجاح المرشح الديمقراطي باراك أوباما مستندين بذلك إلى ذرائع مختلفة منها أنه مولود لأب مسلم وأنه يؤيد الحقوق الفلسطينية وتنقل عنه قوله إن على الحكومة الإسرائيلية أن تقدم تنازلات صعبة لإعادة إطلاق عملية السلام وأنه «لم يتعرض شعب للعذاب أكثر من الشعب الفلسطيني».

ولكن أوباما عمل جاهداً على تأكيد دعمه لإسرائيل ولا يترك مناسبة إلا عبر فيها عن ولائه وإخلاصه، ففي خطاب له أمام الاجتماع السنوي للجنة الشؤون العامة الأميركية ـ الإسرائيلية «إيباك»، وهي أقوى منظمة مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، قال : «القدس ستبقى عاصمة إسرائيل ويجب أن تبقى موحدة».

وقال في مناسبة أخرى: «دعوني أكن واضحاً.. أمن إسرائيل مقدس. وهذا أمر غير قابل للتفاوض. الفلسطينيون بحاجة إلى دولة مترابطة وذات تواصل بري.. وهذا سيسمح لهم بالازدهار. ولكن أي اتفاق مع الشعب الفلسطيني يتعين ان يحفظ هوية إسرائيل كدولة يهودية ذات حدود آمنة معترف بها ويمكن الدفاع عنها. وستظل القدس عاصمة لإسرائيل ويتعين أن تظل موحدة».

ولضمان الأصوات اليهودية وطمأنة إسرائيل، اختار أوباما السناتور جوزيف بايدن الذي يعد من أشد أنصار إسرائيل، ففي مقابلة أجريت معه قبل أكثر من سنة، قال إنه ملتزم بالحفاظ على أمن إسرائيل واصفاً إياها بـ «أعظم قوة لأميركا في الشرق الأوسط». وأضاف: من دون إسرائيل لا يسع المرء أن يتخيل كم كانت أميركا ستحتاج من السفن الحربية والقوات لتضعها بصورة دائمة في الشرق الأوسط. حتى أن السناتور بايدن لم يتوان عن إعلان صهيونيته بالقول: «أنا صهيوني. فأنت لست مضطراً لأن تكون يهودياً لكي تكون صهيونيا».

أما ماكين، فهذا الرجل معروف بتأييده الشديد لإسرائيل ومصالحها، وكان قد زارها مرات عديدة كان أولها في عام 1979 ولم يكن بعد قد تولى أي منصب رسمي. وتعتبر إسرائيل ماكين أفضل المرشحين بالنسبة لها لأنه سيواصل سياسة الرئيس الحالي جورج بوش الذي كان أخلص الرؤساء الأميركيين لإسرائيل وأهدافها. ولكن اليهود الأميركيين يأخذون عليه اختياره لحاكمة ألاسكا سارة بالين كمرشحة لمنصب نائب الرئيس ويعتبرون ذلك لطمة لهم لأنهم يعتقدون أن بالين تدعم بات بوكانان الذي يعتبره اليهود أحد المتعاطفين مع النازية كما أنها لم تبد مواقف مؤيدة من إسرائيل قبل اختيارها.

يخطئ من يظن من العرب أن باراك أوباما هو المنقذ والمخلّص المنتظر، وأن جون ماكين هو البلاء الأعظم، فالمقدمات لا تبشر بالخير، والأقوال تشي بالأفعال التي ستمارس عندما يصل هذا أو ذاك إلى البيت الأبيض. المهم لهذين الرجلين هو بلوغ نقطة النهاية في سباق المسافات الطويلة نحو الرئاسة، ولا يمكن تحقيق هذا الحلم إن لم يبارك اللوبي الصهيوني القوي واحداً منهما، وأن تكون القدس وحائط البراق الممر الإجباري نحو المكتب البيضاوي في واشنطن، وهو الامتحان الذي يصبح رئيساً للولايات المتحدة من يجمع فيه علامات أعلى وأكثر من الآخر.

وسواء كان الرئيس القادم ديمقراطيا أم جمهوريا، فإنه لن يكون عربيا بمواقفه بالتأكيد، ولن يتوقف الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل ما لم يتضامن العرب معا ليشكلوا قوة ضغط تجبر الولايات المتحدة وغيرها على احترامهم وتبني مطالبهم العادلة. وإن على العرب أن يعوا أن الرئيس الأميركي المقبل لن يعير اهتماما للحقوق العربية ما لم يشعر بأن من يطالب بها هو طرف قوي ومتماسك ويعرف كيف يستخدم أوراقه القوية التي تبعثرت يمنة ويسرة في الوقت الحاضر.

ضرار عمير