ارتفعت نسبة الزواج في قطاع غزة هذا العام عن الأعوام السابقة بدرجة ملحوظة رغم كل الظروف الطاحنة التي يعيشها الغزيون.
ويرى الخبراء أن هذا يمثل صورة أخرى من صور الثبات والتحدي في مواجهة الاحتلال الصهيوني والصمود على الأرض رغم كل ممارسات الاحتلال ضد سكان قطاع غزة من حصار خانق وإغلاق منافذ القطاع، حيث يمارس الغزيون حياتهم ويصمدون أمام إرهاب الاحتلال من خلال مظاهر عدة من بينها الأعراس رغم الحصار المفروض منذ أكثر من عام وما أدى إليه من تدمير الاقتصاد وشلل الحياة وإعادة الزمن في قطاع غزة إلى الوراء نصف قرن. وفي مواجهة ذلك اضطر الغزيون إلى اللجوء للبدائل القديمة الذي كان يستخدمها آباؤهم وأجدادهم ، والتنازل قصرا عن كل سبل الراحة والترفيه.
لقد بدا الفلسطينيون يلجأون إلى الأعراس الجماعية التي تشمل أكثر من 200 عريس فى كل مرة وذلك في محاولة لتخفيف الأعباء ونفقات الزواج الباهظة. العريس نبيل قال: نظرا للظروف الاقتصادية الصعبة، سجلت في حفل العرسان الجماعي الذي تم الخميس الماضي، واقتصرت الحفلة على ذلك ، أما غرفة النوم ، فقد اشتريتها مستعملة قديمة وبسعر نوعا ما مناسب ، وحاولت أن أقلل من تكاليف الفرح إلى أقصى حد ، وهذا ليس بخلا ، وإنما لعدم وجود إمكانيات.
وضحك قائلا: نتيجة لعدم وجود السولار، اقتصرت على سيارة واحدة فقط، وعدد من الدراجات النارية، فالزواج في هذا الوقت يحتاج مبلغا وقدره، الله يعين الشباب ويسترها معنا. أسماء من خان يونس، أقيم حفل زفافها قبل أسبوعين، أكدت أن الصيغة الذهبية التي تزينت بها يوم زفافها، استعارتها من زوجة أخيها فمهرها البسيط، لا تستطيع أن تشتري به إلا القليل من الذهب، وخاصة في ظل الارتفاع المذهل في أسعار الذهب. وأضافت: والدي قام بمساعدة زوجي لإكمال الكثير من متطلبات الفرح، وهذا لأن الوضع صعب جدا، وزوجي يعمل في مهنة لا تدر عليه سوى القليل من المال.
وانتشرت الأعراس الجماعية التي ترعاها جمعيات خيرية من شمال قطاع غزة وحتى جنوبه ولاقت هذه الخطوة استحسانا كبيرا من المقبلين على الزواج وكل الأفراح تجرى تحت شعار «أفراح من قلب الحصار» وتجرى في أماكن عامة كملاعب الكرة أو الساحات العامة في كل محافظة وتهدف الجمعيات من تنظيم هذه الحفلات إلى تحقيق عدة أغراض منها إظهار أهمية الزواج وحكمته من الناحية الاجتماعية.
وحفز الناس ودعوتهم لتبسيط سبل الزواج وتيسيرها، وإعطاء مثال حي على التعاون والتكافل الاجتماعي من المنظور الإسلامي في مجال الزواج، وإحياء القيم الإسلامية المتعلقة به، وبناء القدوة الحسنة في القول والعمل. ومن أهدافها أيضا جعل حفل الزفاف الجماعي خطوة على طريق التغيير الاجتماعي الخاص بمناسبات الزواج المؤدية إلى التواضع والبساطة، والعمل بأساسيات الزواج التي دعا إليها الإسلام وإظهار ديمومة الزواج واستمرار بناء الأسرة على أسس سليمة.
وتتكفل الجمعيات المنظمة للحفل تتكفل بجمع النفقات كما تقدم الهدايا والتبرعات للأزواج المشاركين، وتشمل تقديم التبرعات النقدية والهدايا العينية من ملابس وأثاث وأدوات منزلية وكهربائية وكافة لوازم بيت الزوجية. وأشار مسؤولون في هذه الجمعيات إلى الإقبال الكبير بل تزاحم العرسان في بعض المحافظات على التسجيل في الحفل الاسلامي الجماعي وأن العدد الأكبر من الأزواج الذين يشاركون في الاحتفالات من المثقفين، مما يعكس الوعي الذي يتمتع به الشباب وحرصهم على المساهمة في حل ما يواجههم من مشكلات.
وأكدوا أن الجمعيات تحرص على تنظيم حفلات تنسجم مع عادات وتقاليد شعبنا الأصيلة، وتحفظ للإنسان عرضه وكرامته، وهي أكثر بهجة من الأفراح العادية، إذ يشارك فيها عشرات الأزواج ويحضرها آلاف المدعوين من مختلف مناطق المحافظة وتحييها عدة فرق فنية.
وبلا شك فان الأعراس الجماعية تساهم في تحقيق هدف القضاء على ما يقلق الأسر الفلسطينية ممثلا في ظاهرة العنوسة بين الفلسطينيين وازدياد عدد الأرامل وزوجات الشهداء كما أن أيضا هناك ظاهرة بدأت تنتشر في المجتمع الفلسطيني ألا وهي الزواج الفصائلي بما يحمله من إسراف وتكاليف عالية وأيضا مخاطر حيث لا يتزوج عريس حماس عروسة فتحاوية والعكس صحيح.
ونسوق هنا مثالا على نجاح الزواج الجماعي في حل تلك الظواهر السلبية حيث أنهى الشاب باسل أبو جراد - 25 عاماً - حقبةً سوداوية دامت ثلاثين عاماً، من النزاع بين عائلته التي تقطن بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وعائلةألا أخرى تقطن نفس البلدة، والتي نتجت عن نزاعٍ دامٍ بين العائلتين المذكورتين.
وكانت قضية الثأر قد انفضت بين العائلتين بعد تدخل الوجهاء ورجال الإصلاح حيثألا تم اشتراطألا عدم تبادل النسب بين العائلتين «زواج متبادل».ألا وعبّر العريس أبو جراد ألاعن سعادته لكسر الحاجز الذي كان بين عائلتهألا والعائلة المتخاصم معهاألا والذي حُقق بزواجه. يشار إلى أن ذلك النزاع خلّف قتيلاً من عائلة العريس باسل، الذي تمنى أن ينسحب أنموذجه بشكلٍ موسع على مختلف العائلات التي بينها نزاعات وقضايا ثأر، وكذا على الفصائل الفلسطينية المتناحرة. وفي هذا الصدد يقول د. فضل أبو هين مدير مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات إن ما يجري على أرض الواقع من حالة الانقسام السياسي أدى لانقسام اجتماعي ونفسي مما أدى لانقسام في مشاعر الناس تجاه بعضهم البعض.
جدير بالذكر أن الفتاة الغزوية ترفض أن تكون زوجة ثانية وهذه مي حسني 40 سنة غير متزوجة ترفض الفكرة أو أن تتزوج من رجل متزوج بأخرى فتقول مسألة التعدد تجعل هدفي من الزواج غير محقق، فلا يمكن أن أقبل هذا الوضع، حيث ان التعدد يجعل من العلاقة الاجتماعية الراقية المسماة بالزواج تتحول لمجرد علاقة روتينية، فحتماً الزوج سيهتم بواحدة على حساب الأخرى، ففي النهاية البيت الثاني يكون على حساب البيت الأول.
وكشفت إحصائية رسمية الشهر الماضي عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الزواج هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة، إضافة لانخفاض واضح في حالات الطلاق. وجاء في تقرير النصف الأول من عام 2008 م لأعمال المحاكم الشرعية والدوائر التابعة لها، أن مجموع عقود الزواج بلغ 15642عقد زواج، منه 800 عقد زواج مكرر، فيما سجلت حالات الطلاق سجلت 1693 حالة. وقال تقرير قاضي القضاة إن نسبة الطلاق إلى الزواج بلغت 82. 10%، وهي النسبة الأقل في العالم.
ماهر إبراهيم