بات من الواضح أن الكرملين ركب موجة النزاع الإقليمي الدائر منذ سنوات في القوقاز ليقول للعالم إن روسيا الاتحادية لا تزال تشكل القرن الآخر الذي تقف عليه الكرة الأرضية، التي تمر منظومة علاقاتها الدولية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي بحالة اختلال غير مسبوقة في موازين القوى الدولية لصالح قطب واحد وعلى حساب ما تبقى من مكونات المجتمع الإنساني.

فلقد ظلت القيادة الروسية تتحمل عنجهيات عقلية التفرد الأميركية طوال العشرين سنة الماضية حتى جاءت الرئاسة الجورجية مشكورة ـ من وجهة نظر الروس طبعا ـ لتقدم على طبق من فضة الذريعة المناسبة لإنعاش التطلعات الروسية المشروعة في لعب دور رئيسي على صعيد رسم معالم السياسة الدولية. من غير المنطقي تجاهل الضرر الذي تلحقه الأطماع الاستراتيجية الأميركية في توسيع دائرة نفوذها في أوروبا الشرقية بالدور والمصالح الروسية في المنطقة والعالم، وكان حري بأؤلئك الرافعين لراية التصدي للتحركات العسكرية الروسية في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا أن يسألوا أنفسهم عن الدوافع الكامنة وراء اجتياح القوات الجورجية لأراضي أوسيتيا الجنوبية وتململها في أبخازيا وعما جاء بقطع حربية أميركية إلى كل من بولونيا والتشيك. ثم كيف يمكن أن تتغاضى القيادة الروسية عن كل ذلك الذي يحدث عند حدودها الجنوبية بصورة عامة؟

أزمة قديمة مشابهة

إذا عدنا بالذاكرة إلى عام 1961، فسنجد أن رد فعل الولايات المتحدة على نشر صواريخ روسية على الأراضي الكوبية كان أشد وأعنف بكثير من رد فعل الروس على الهجوم الجورجي ومحاولات نشر صوارخ ورادارات في عدد من البلدان المجاورة لروسيا، لا بل إن واشنطن باتت آنذاك قاب قوسين أو أدنى من إشعال حرب عالمية ثالثة كانت ستقضي على الأخضر واليابس في جميع أرجاء المعمورة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تعتبر واشنطن أنه يحق لها ما لا يحق لغيرها؟ وما الذي يميزها عن غيرها من عواصم العالم حتى تسمح لنفسها بأن تصول وتجول عبر العالم بلا حسيب أو رقيب؟

ثم إن تاريخ الولايات المتحدة مخضب بدماء الكثير من شعوب العالم، وفضلا عن أنها قامت على أشلاء سكان أميركا الأصليين، الذين تعرضوا لإبادة عنصرية لا مثيل لها في التاريخ، فإن قواتها الحربية منتشرة في جميع أرجاء العالم، حيث أشعلت ولا تزال فتيل عشرات إن لم يكن مئات الحروب منذ تأسيسها حتى يومنا هذا، في حين لا تزال الحربة الأميركية مغروسة في قلوب الكثير من شعوب العالم وفي المقدمة منها كل من الشعب العراقي والأفغاني، ناهيك عن الشعب الفلسطيني.

إن دوام الحال من المحال ومن غير المنطقي الوقوف في وجه عجلة التاريخ، التي حاولت الولايات المتحدة ونجحت جزئيا في تعطيلها طوال السنوات العشرين الماضية مستغلة نزاعات إقليمية كان يمكن أن تحل من دون خسائر تذكر أو على الأقل بخسائر أقل بكثير مما سببه التدخل والتفرد الأميركيين فيها.

لقد تربعت الولايات المتحدة على عرش النظام الدولي ما يكفي ويزيد من زمن لا تستحقه وليست جديرة به، لأنها عندما شعرت في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بأن المياه بدأت تنسل من بين أصابعها إثر ظهور حمى تشكل المنظمات والأقطاب الإقليمية على حساب ما تدعيه لنفسها من نفوذ في غير مكان من العالم، لم تتوان في زيادة جرعة استخدام العصى الغليظة، مما سمح لقواتها بالوصول إلى قلب العالم العربي الغني بالنفط، الذي راحت تتحكم بوجهاته وكمياته وأسعاره، الأمر الذي وفر لها سلاحا جديدا لا يستهان به في مواجهة القوى الاقتصادية الناشئة في العالم والمنظمات الإقليمية التي كانت في طور التكوين، والتي لو رأت النور لشكلت عنوان مرحلة طويلة من الازدهار.

مزيد من التنوع

ما سبق يشير بوضوح إلى أن العالم كان عشية وغداة انهيار الاتحاد السوفييتي يقف على عتبة الولوج إلى مزيد من التنوع والحراك الطبيعيين في دائرة الاقتصاد السياسي العالمي وكانت المجتمعات البشرية على وشك الانعتاق من صيغة تفرد القوى العظمى بها، فإذا بها تقع فريسة القوة العظمى الوحيدة التي تسيطر على مقدرات البلاد والعباد أينما وطأ حذاء جندي أميركي.

لكن بما أن جشع العقليات المتفردة غالبا ما يقودها إلى حتفها، فإنه كان من الطبيعي أن تبدأ القوة العظمى الوحيدة المهيمنة على العالم بحفر قبرها بيدها، بعد أن وضع الغرب بواسطة جورجيا العصا في قلب عش النحل الروسي في مغامرة غير ضرورية وغير محسوبة العواقب إلى حد الجنون والتي ستشكل عنوان مرحلة جديدة سيطول أجلها في منظومة العلاقات الدولية وتجاذباتها.

بالعودة إلى الصراع القوقازي، الذي يمكن اعتباره الشرارة التي أشعلت واشنطن من خلالها فتيل نزاع معقد وطويل، لا بد من القول إن بلدان أوروبا مصابة بعمى سياسي تاريخي بدأت إصابتها به مع دخولها في منظومة مشروع مارشال الأميركي ولا تزال تدفع ثمنه على شكل بوليصات لتأمين النفوذ الأميركي في أوروبا وفي أماكن أخرى من العالم، والفصل الأخير في هذا السياق يتجسد في تراجع ساركوزي ونظرائه من الأوروبيين عن خطته ذات النقاط الست التي وقعها، مؤخرا، مع الرئيس الروسي ميدفيدف.

والتي كانت كفيلة بوضع حد للنزاع بين جورجيا من جهة وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية من الجهة الأخرى، فبدل أن تتمسك بلدان أوروبا بهذه الخطة المفتاح، فإن لغة التصعيد ذات اللكنة الأميركية هي التي سادت في خطابات جميع المسؤولين الغربيين. لا شك بأن العالم لا يسير باتجاه الانفكاك من عقال نظام القطب الواحد فحسب، بل إن مسار منظومة العلاقات الدولية مصوب نحو نشوء العديد من الأقطاب حول العالم وليس قطبين فقط تمثلهما الولايات المتحدة وروسيا.

بحيث لن يمضي الكثير من الوقت حتى يصبح الحديث عن أحادية القطبية أو ثنائيتها أمرا من الماضي. وهذا ما تحاربه المراكز الاحتكارية، لكنه يدخل في صلب تطور التاريخ الانساني، الذي لا يعرف السكينة ولا يركن للثبات وسيظل يتقلب على نار الحراك الانساني إلى ما لا نهاية في انسجام تام مع الفطرة السليمة للانسان.

باسل أبو حمدة