كشفت التداعيات التي تعاقبت و مازالت تتعاقب على الحرب الأخيرة في القوقاز بوضوح عن استعداد كبير لدى المجتمع الدولي للتغيير ورفض النظام العالمي القائم على هيمنة القطب الأوحد الأميركي.

ومن الواضح أن هذا الرفض يأتي في هذه المرة ليس من الدول الضعيفة المغلوبة على أمرها الخاضعة بشكل واضح للهيمنة الأميركية، بل يأتي من الدول الكبيرة القوية القادرة على تقرير مصيرها والقادرة على المشاركة في تقرير مصير المجتمع الدولي ككل. هذه الحرب التي لم يعد لدى أحد شك في وجود الدور الأميركي فيها أثبتت مدى وهن وضعف القطب الأميركي الأوحد الذي يلجأ دائما لأساليب تآمرية تجعله يتفادى مواجهة القوى الكبيرة الأخرى على الساحة الدولية ، فيضطر لاستخدام أنظمة حكم ضعيفة وخاضعة في دول صغيرة لإشعال النزاعات وإثارة القلاقل والاضطرابات ، وهذا ما فعلته واشنطن مع نظام ساكاشفيلي في جورجيا ودفعه للتحرش بروسيا بهدف جرها لحرب طويلة المدى تستنفذ قواها وتوقف عجلة نموها وتطورها المتسارعة.

رفض العقوبات

وقد جاء رد الفعل الروسي القوي والحاسم مخيبا لكافة التوقعات الأميركية ويضع ساكاشفيلي ونظامه في مأزق شديد ، ويضع العالم كله أمام مشهد جديد غاب عنه سنوات طويلة ، فقد عادت روسيا لتفرض قرارها وإرادتها بينما لا تجد واشنطن ما تفعله ضدها ، والأكثر من ذلك أن يرفض الأوروبيون الكبار التضامن مع واشنطن في فرض أية عقوبات على روسيا.

وكانت صدمة واشنطن الكبرى في حليفتها التابعة لها دائما بريطانيا ، والتي انضمت لأول مرة في تاريخها داخل حلف الناتو للدول الأوروبية ضد واشنطن ، حيث رفضت لندن اتخاذ أية إجراءات عملية ضد روسيا مكتفية بالإدانة لغزو القوات الروسية للأراضي الجورجية واستخدام روسيا للقوة المفرطة. و جاء تصريح وزير الخارجية البريطاني دافيد ميليباند أكثر حدة ضد واشنطن حيث قال «إنني أستنكر صراحة سعي واشنطن لمعاقبة روسيا وفرض عزلة دولية عليها».

أبخازيا وأوسيتيا

وجاء قرار روسيا باعترافها باستقلال جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ليعكس مدى سيطرة موسكو على الأوضاع الإقليمية المحيطة بها و تحديها القوي لواشنطن التي بدت غير قادرة تماما على اتخاذ أي موقف مضاد. كتبت صحيفة «الغارديان» البريطانية معلقة على قرار روسيا الاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا تقول «لقد وضعت روسيا بقرارها هذا نهاية العالم أحادي القطب الخاضع للهيمنة الأميركية».

وأضافت الصحيفة قائلة «ربما لا تكون روسيا الآن قادرة على منافسة الولايات المتحدة في العالم لكنها بالقطع أصبحت قادرة على تكبيل حريتها في فرض إرادتها على الآخرين»، وفي لقائه الأسبوع الماضي بالسفراء الفرنسيين قال الرئيس الفرنسي ساركوزي «العالم الآن لم يعد أحادي القطب ولابد من البحث عن شكل للنظام العالمي الجديد، ونحن في الاتحاد الأوروبي لا نريد ولا نقبل الدخول في حرب باردة مع روسيا ، بل نسعى لإقامة علاقات جيدة معها»، كما صرح وزير الخارجية الألماني شتانماير قائلا «لا خيار أمام الأوروبيين سوى مراعاة مصالح روسيا وإقامة علاقات جيدة معها».

أما وزير الخارجية البريطاني ميليباند المعروف بتشدده مع روسيا فقد قال «لا يجوز للغرب أن يسعى لفرض عزلة على روسيا التي أصبحت تلعب دورا مهما جدا في الاقتصاد العالمي»، الخبير الأميركي د. مارشال جولدمان صرح لوكالة نوفوستي الروسية قائلا «الغرب الذي يتوعد ويهدد روسيا بالعقوبات لا يستطيع مواجهتها على أرض الواقع ، وروسيا الآن أقوى منها في زمن الاتحاد السوفييتي بما تملكه من النفط والغاز اللذين أصبحا اكبر ورقة ضغط على الغربيين»، والمرشح السابق للرئاسة الأميركية باتريك بيوكينين في مقال له منشور على موقع « ؟؟ » يقول «مغامرة ساكاشفيلي كشفت انهيار القوة الأميركية ، ومن الحماقة بل من الجنون أن تفكر واشنطن في ضم جورجيا لحلف الناتو وإلا ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع روسيا في القوقاز حيث التفوق الروسي واضح للجميع».

الأوروبيون مثل العرب

هذه التصريحات وغيرها الكثير والكثير، والتي أعقبت إعلان استقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا تعكس بوضوح مدى التغييرات الجذرية التي تحدث على الساحة الدولية في أعقاب الحرب في القوقاز، هذه التغييرات التي ـ للأسف الشديد ـ لا نجد للعرب أي تفاعل معها، وبمناسبة ذكر العرب فقد كتبت صحيفة روسية تعلق على مواقف الغربيين من الأزمة في القوقاز وشبهتهم بالعرب في تعاملهم مع واشنطن.

حيث أشارت الصحيفة إلى مقولة معروفة للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون يقول فيها «إن القادة العرب عندما يجتمعون عندهم سويا يطلقون الشعارات والتصريحات الحادة ضد أميركا وإسرائيل ، لكنهم عادة يأتون للبيت الأبيض فرادى ولا نسمع منهم سوى كلمات الإطراء والتأييد والدعم المطلق لسياستنا ، وكثيرا ما نسمع من بعضهم انتقادات للبعض الآخر». وتشير صحيفة «كومسمولسكايا» الروسية إلى هذا الأمر قائلة «الآن الأوروبيون يفعلون نفس الأمر مع موسكو ، في اجتماعاتهم وفي بلدانهم ينتقدونها ويدينونها ويطالبون بتوقيع عقوبات عليها .

وفي نفس الوقت يتعاملون معها على انفراد بشكل آخر تماما» ما تقوله الصحيفة هو ما يحدث الآن بالضبط ، فبعد إعلان الرئيس الروسي ميدفيديف اعتراف روسيا باستقلال الجمهوريتين تلقى اتصالا هاتفيا من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ودار بينهما حديث مطول علق عليه وزير الخارجية الروسي لافروف للصحافيين قائلا «لم تبد المستشارة الألمانية أية اعتراضات أو حتى انتقادات ولم تخض في الحديث في أية مشاكل واستمعت حتى النهاية للرئيس ميدفيديف وأبدت أمانيها بأن تهدأ الأمور وتستقر قريبا». كما تلقى الرئيس ميدفيديف اتصالا هاتفيا مماثلا تماما من رئيس الحكومة البريطانية جوردون براون تمنى فيه براون التطور والتحسن للعلاقات البريطانية الروسية في المستقبل القريب.

ونفس الاتصال جرى بين الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني ، وكذلك اتصال مع الرئيس الفرنسي ساركوزي ، كلها اتصالات تؤكد أن الأوروبيين الكبار ليسوا ضد روسيا فيما تفعله ، وأنهم يهمهم في الأساس مصالحهم الثنائية الخاصة مع روسيا ، ولم تشذ واشنطن عن القاعدة رغم توالي التصريحات الحادة من بعض أعضاء الإدارة الأميركية ، فقد تلقى الرئيس الروسي رسالة من الرئيس بوش سلمها له السفير الأميركي في موسكو جون بارلي الذي صرح للصحافيين بأن الرسالة لم تتضمن أية انتقادات لروسيا بل كل ما طلبه الرئيس بوش من ميدفيديف هو تواصل واستمرار الحوار والتفاهم بين موسكو وواشنطن.

نظام جديد يتشكل

هذه الأمور كلها تشير بوضوح إلى أن ثمة تغييرات جذرية في النظام السياسي العالمي تبدو مؤشراتها من الآن بعد الحرب الأخيرة في القوقاز ، وقد شاهدنا في جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة المخصصة لمناقشة الأزمة في القوقاز كيف كانت الانتقادات الحادة التي وجهها مندوب روسيا فيتالي تشوركين لنظيره الأميركي في المجلس وهو يقول له بسخرية «قل لي لو سمحت.. بعد خمسة أعوام في العراق .. هل وجدتم أسلحة الدمار الشامل هناك؟» ، ودارت الكاميرا على الجلوس في الجلسة الذين بدت على وجوههم ابتسامات السخرية وربما الاستهزاء وخاصة المندوبين الفرنسي والإيطالي ، إنها بالفعل كما وصفها الرئيس الفرنسي ساركوزي «بدايات نظام عالمي جديد يتشكل» وسوف يكون لروسيا فيه شأن كبير.

«لا يستطيع أحد أن يفرض على روسيا أية عقوبات الآن»، هذه المقولة سمعناها خلال الأيام الماضية من الكثيرين من رجال السياسة والخبراء والمحللين ، بل العكس الآن روسيا هي التي تملك التهديد بالعقوبات على الجميع الآن ، بما فيهم الولايات المتحدة الأميركية ، وكان أول هذه التهديدات تصريح رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين يوم الخميس الماضي بأن روسيا ستوقف استيراد لحوم الدواجن الأميركية لأنها غير مطابقة للمواصفات الصحية ، وقال بوتين «نحن لا نضحي بصحة مواطنينا من أجل عضوية في مجموعة الثماني الكبار ولا في منظمة التجارة الحرة التي تضر اتفاقياتها اقتصادنا ولا تفيده في شيء».

ويعد هذا مثالا بسيطا كبداية ، علما بأن صادرات اللحوم الأميركية لروسيا تقدر سنويا بعشرات المليارات من الدولارات ، وتشكل أكثر من 20% من صادرات اللحوم الأميركية ، مثال آخر .. نائب رئيس وكالة ناسا للفضاء الأميركية مايكل جريفين الذي عبر الأسبوع الماضي عن قلقه الشديد من أن تؤثر هذه الأزمة على اتفاق التعاون بين روسيا ووكالة ناسا التي تعتمد اعتمادا مطلقا على صواريخ الفضاء الروسية سويوز لإطلاق رحلاتها للفضاء.

الأمثلة كثيرة من أوروبا والولايات المتحدة ، وكلها تشير إلى العودة القوية للدب الروسي لممارسة دوره على الساحة وتشير بالأساس لتداعي واقتراب سقوط نظام القطب الأوحد الأميركي ، وهذا ما أعلنه صراحة الرئيس الروسي ميدفيديف يوم الأحد الماضي بإعلانه عن المبادئ الخمسة للسياسة الخارجية لروسيا ، وكان المبدأ الثاني فيها هو «رفض هيمنة القطب الواحد على المجتمع الدولي».

د. مغازي البدراوي